
الذكرى 61 لانتفاضة مارس المجيدة في البحرين
*كيف قمعت قوات الانتداب البريطاني في البحرين الانتفاضة العمالية والطلابية المطالبة بالحريات في العام (1965)*
عندما إشتد حمى التظاهرات الاحتجاجية المطلبية في عموم البحرين بعد قرار شركة نفط البحرين المحدودة (بابكو) تسريح قرابة 500 عامل من العمال البحرينيين، من وظائفهم في الشركة واستبدالهم بعمال اجانب من العمالة الاجنبية الرخيصة، شهدت ساحات ومناطق العاصمة البحرينية المنامة، التي كانت بمثابة حاضنة رئيسية لهذا التحرك المطلبي العمالي، أوسع التظاهرات وبخاصة في منطقة القضيبية، حيث يقع حرم المدرسة الثانوية للبنين، والقسم التجاري فيها، التي ظلت تتجمهر في فنائها الداخلي والمحيط المقابل، قوافل و مجاميع حاشدة من الطلاب والعمال واهاليهم بشكل يومي رافعين شعارات التنديد بالممارسات المجحفة والقاسية واللا انسانية التي اتخدتها هذه الشركة الاحتكارية الأجنبية ضد العمال البسطاء ونغصت عليهم حياتهم، والمطالبة بضرورة عودة جميع العمال المسرحين إلى أعمالهم، واطلاق سراح المواطنين الأبرياء الموقوفين على ذمة التحقيق في مراكز الشرطة والامن العام، على خلفية هذه الانتفاضة الشعبية، و المطالبة برحيل قوات الحماية البريطانية من جميع قواعدها في البحرين. تطورت بيني وبين عدد من الاصدقاء المقربين، فكرة الذهاب إلى العاصمة المنامة، وذلك من أجل المشاركة في تلك التظاهرات الكبيرة، التي جمعت مختلف أطياف وفئات وشرائح وطوائف المجتمع البحريني. ولكن للاسف الشديد لم يستجيب لدعوتي أحدا من هؤلاء إلفتية الشباب ولم يحبدوا تلك الفكرة، أما بسبب الخوف أو لعدم المعرفة و الاكتراث الجدي بحقيقة تلك الامور الوطنية الكبيرة، وعندها فكرت وبصورة عمل فردي ان اذهب بنفسي إلى هناك مهمها كلف الأمر من مشقة او خطورة. حيث كانت أوسع و أبرز التظاهرات تتمركز هناك
وبخاصة في داخل حرم المدرسة الثانوية ومحيطها للمشاركة معهم في هذا الحدث الوطني الكبير والدفاع عن همومهم ومعاناتهم القاسية، خاصة وانه كان من بين العمال المسرحين من هذه الشركة هناك أكثر من أربعة أشخاص من قريتي الدراز شملهم هذا القرار التعسفي الخبيث واصبحوا عاطلين عن العمل .
إستقليت إحدى حافلات الركاب (الباصات الخشبية) المتوجهة نحو العاصمة المنامة، وعندما وصلت إلى هناك رأيت في ساحات وشوارع وحارت تلك المدينة حركة صاخبة للغاية، و تختنق بطوفان من الطلبة والعمال والنساء والشباب والاطفال، وما لاتصدقه العين المجردة، يزحفون زرافات نحو مواقع الحشود والتجمهرات الكبيرة، حيث كانت أوضاع الامن والاستقرار صعبة ومريرة، وكان الناس يتخفون خلسة في طرقاتها وشوارعها الخلفية، ثم يلوذون بالفرار بانفسهم و بأرواحهم وأجسادهم بعد ذلك، وفي مختلف الاتجاهات خوفا من المداهمات و الملاحقات وبطش قوات الامن المدججة بالسلاح، التي كانت تتربص بهم و ترصد جميع حركاتهم وسكناتهم خلال تلك التظاهرات. وبصعوبة بالغة بعد تجاوز حواجز الشرطة ومتاريسها، إستطعت الوصول إلى جوار حرم المدرسة الثانوية في منطقة القضيبية، والذي كان مديرها حين ذاك الاستاذ عبدالملك الحمر، الذي ظل يحاول ان يحتوي الوضع ويدعوا الطلاب إلى الهدوء أو الانصراف خارج حرم المدرسة. رأيت هناك ما لا يصدقه العقل من أهوال الردع والقمع النطلق وحملات الاعتقال التعسفي العشوائي، التي كانت تمارسة قوات الأمن البحرينية و البريطانية المشتركة ضد الجماهير المحتشدة في داخل حرم المدرسة الثانوية وفي محيطها.
سلسلة طويلة من السيارات العسكرية (الاجياب) المسلحة كانت محملة بالجنود والعتاد الحربي، تجوب ساحات وشوارع المنامة العاصمة، وتلاحق المشاركين في الاحتجاج والتظاهرات، وتحاول اعتقالهم و التصدي لهم وتمنعهم من الوصول او الاقتراب من البوابة الرئيسية للمدرسة الثانونية، عبر استخدام وسائل القوة والعنف المفرط، وذلك من خلال رشقهم بخراطيم المياه الساخنة، ووابل من الغازات المسيلة للدموع والرصاص الحي والمطاطي، فيما كانت فرقة الخيالة المجنونة التابعة لوزارة الداخلية البحرينية، تمارس عمليات دهس أجساد المتظاهرين العزل في داخل حرم المدرسة الثانوية، من دون هوادة او أي رادع يردع، وبحيث سقط من خلال هذه العمليات، واطلاق الرصاص الحي والمطاطي اكثر من ستة شهداء أبرار كان ابرزهم الشهيد”عبدالنبي محمد سرحان، وعبدالله مرهون سرحان، وعبدالله نجم بونودة، وجاسم خليل الصفار، وعبدالله سعيد الغانم، وفيصل عبدالله القصاب، بالاضافة إلى عشرات المصابين بجروح مختلفة وكانت إصابات بعضهم خطيرة جدا، و كان قد نجا بأعجوبة من موت محقق بفعل هجمة مباغتة من جانب فرقة الخيالة، التي أخذت تدهس و بصورة هستيرية عشوائية صدور المحتجين، وهو النتظاهر الاعزل (نصر عبدالله معيوف) التي ظلت تدك جوارحه الخيل في فناء المدرسة الثانوية، وذلك من دون أن يستطيع أحدا من رفاقه الاقتراب منه، حتى لا يواجه نفس المصير. وبالاضافة إلى كل هؤلاء الشهداء والجرحي، كانت هناك أعداد هائلة من المعتقلين الابرياء الذين دفعت بهم دفعا قوات الامن إلى المخافر الأمنية والمعتقلات والسجون البحرينية الرهيبة، وقد مورست ضدهم هناك مختلف صنوف التعذيب النفسي والجسدي العنيف وبصورة وحشية .
ورغم استخدام مختلف وسائل القوة المفرطة والمبالغ فيها بشكل مؤسف، التي أمعن في تنفيذها الجنود المسلحون من قوات الشرطة البريطانية والبحرينية وبعض المرتزقة الأجانب على حد سوا، ضد المتظاهرين العزل، الا ان أحدا من المتظاهرين لم يستسلم ولم تنكسر ارادته النضالية الوطنية، ولم يتقهقر للخلف، حيث ان الجميع كانوا يقفون في خندق واحد، و في كتلة واحدة موحدة ضد ممارسة السلطة الظالمة وقراراتها وإجراءاتها الطائشة والمجنونة.
رأيت الجميع يتحدون كل هؤلاء الجنود ويتصدون لبنادقهم وقنابلهم الحارقة وخيولهم الهائجة والمفترسة، بأجساد وصدور عارية وينشدون الاناشيد الوطنية ويرفعون اللافتات و الشعارات المطالبة بعودة جميع العمال المسرحين ومحاسبة المسؤولين عن قمع وقتل المتظاهرين المسالمين، وتأسيس النقابات العمالية، والاتحادات الطلابية المستقلة، وسيادة واستقلال البحرين وجلاء قوات الحماية البريطانية وضباطها وخبرائها ومستشاريها ومرتزقتها في البحرين.
رفع المتظاهرين في ساحة المدرسة الثانوية على أكتافهم عدد من طلاب هذه المدرسة واخرين، الذين كانوا يرفعون شعارات متعددة في التظاهرة، عرف من بينهم المرحوم، عيسى الوطني، من منطقة النعيم، و الذي كان يعمل كاتبا في مستشفى النعيم الصحي، و الذي ظل يهتف بشعار (يسقط … يسقط الاستعمار) وكذلك الطالب بدر عبدالملك، وهو من أبناء منطقة الحورة، والذي كان يهتف بشعار(الهملة… الهملة منا مطلوبة) والهملة هي قريه صغيرة وادعة، تقع ضمن قرى (الشريط الشمالي) للبحرين، وظلت هذه المنطقة على إمتداد عقود من الزمن، تمثل (رمز القوة العسكرية الضاربة) لقواعد سلاح قوات المشاة البريطانية، في سنوات حقبة الانتداب البريطاني للبحرين، أو ما سمي بعهد (الحماية البريطانية) وهي اليوم تمثل المركز العسكري والاداري الرئيسي لقوة دفاع البحرين.
في خضم تلك المواجهة الضارية، بين قوات الامن المدججة بمختلف الاسلحة الخفيفة والتقليدية، وجماهير الشعب المتململة والغاضبة والمدافعة بشراسة عن الحريات الديمقراطية العامة وحقوق المواطنة المشروعة وحقوق العمال المسرحين من الخدمة في شركة نفط البحرين، كان هناك للاسف الشديد ضابط بحريني من فريق المخارقة في العاصمة المنامة، يدعى أحمد الخلو، كان يقود شرذمة من الجنود المتعطشين لسفك الدماء، و كان يتفرج ويشرف بنفسه على سيل المجازر الدامية والمؤلمة، التي كانت ترتكبها قوات الامن البريطانية والبحرينية على حد سواء، بحق الابرياء من المتظاهرين العزل، ويدعو جنوده بإحكام الطوق الامني المفروض على جوانب واسوار المدرسة الثانوية، وذلك للحيلولة من دون خروج الطلاب للالتحام بصفوف التظاهرات العارمة، التي كانت تجوب شوارع وساحات العاصمة المنامة، وقيل بأنه الشخص، الذي حاول أن يطلق النار بنفسه على بعض المتظاهرين العزل، ويصيب أحدهم في مقتل. وبعد بضع سنوات قليلة من قمع تلك التظاهرة الطلابية المعتدلة والمسالمة، أصيب الضابط البحريني أحمد الخلو، بمرض الكآبة وإنفصام الشخصية، ومن ثم الجنون الحقيقي، الذي عانى منه فترة زمنية طويلة، بسبب ما كان قد مارسه من جرم ضد متظاهرين عزل، ولاسباب أيضا تبدو متعلقة بظروف الرجل الصحية، تطلقت منه زوجته بدرية، التي عملت (معنا) بعد ذلك كموظفة في المكتبة العامة في المنامة التابعة لوزارة التربية والتعليم، حتى مات ودفن في مسقط رأسه في المنامة، من دون أن يغفر له أحد أو يترحم عليه، من ذوي القتلي والمصابين والمعاقين في تلك الاحداث، الذين أكتوت قلوبهم وافئدتهم بفقدان فلذات أكبادهم في طرفة عين، من دون أن يترتكبوا اية جريمة بحق احد.
*كان وقتها حاكم البحرين الحالي، حمد بن عيسى ال خليفة، طالبا يتلقى علومه في هذه المدرسة الثانوية، التي شهدت حفلات العنف وسفك الدماء، وكان بالتأكيد شاهدا على كل ماحصل من أعمال العنف واراقة الدماء البريئة، التي مارستها قوات الامن ضد المتظاهرين المسالمين، ومن دون أن يرف له جفن أو حتى دمعة واحدة*.
و في مقابل هؤلاء الجنود و الضباط البحرينيين، الذين لوثوا أياديهم بدماء الشهداء و المناضلين الاحرار، كان هناك من المواطنين الشرفاء من أفراد الشرطة البحرينية، من ظل يرفض تنفيذ أوامر الضباط البريطانيين البحرينيين العملاء والخونة، باستخدام القوة المفرطة واطلاق النار على المتظاهرين العزل، وكما تبين أن بعضهم قد قدم استقالته من سلك الشرطة، وكان من أبرز الجنود الرافضين لاوامراطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين، الجندي الشاب، مبارك لحدان صالح، والذي كان قد دفع ثمن رفضه لأوامر الضباط البريطانيين باطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين في (حي المخارقة) بالمنامة، دفع هذا الرجل الشهم، ثمنا باهضا للغاية حيث أنه بعد ذلك، مثل أمام محكمة عسكرية، وحكم عليه بالسجن، وتم فصله من عمله في جهاز الشرطة، و من ثم صدر بحقه قرار المنع من العمل في كل أجهزة الأمن و جميع الوظائف الحكومية الرسمية، و قد قيل بأنه بعد هذا الإجراء التعسفي هاجر من البحرين إلى خارج البلاد، باحثا عن مأوى وملاذ امن في المنافي البعيدة، بعد أن ضاقت به سبل العيش الكريم في الوطن، ولكنه رغم ذلك ظل شامخا و مرفوع الراس .
كنت وقت اندلاع تلك الاحداث، شابا يانعا في مرحلة الصبا، وكنت شاهدا على كافة المآسي الرهيبة، التي حدثت في تلك الأيام الخطيرة و القاسية و الصعبة، والتي تضررت منها فئات وشرائح إجتماعية كبيرة من شعب البحرين، إلا أنني كنت أستوعب كل ماكان يدور من حولي من مشاهد بوليسية مؤلمة وحزينة، تقشعر لها الابدان، وأشعر دائما بأن لي صلة إنسانية وأخلاقية بكل هؤلاء الذين يخرجون إلى الشارع في التظاهرات دفاعا عن حقوق الضعفاء و الفقراء والمسحوقين والعمال. و كنت أشاركهم متاعبهم و همومهم و معاناتهم الروحية والانسانية، وأردد معهم الشعارات والاناشيد الوطنية الحماسية الثورية، وقد شاهدت خلال هذه التظاهرات الكثيرين ممن هم في هذه السن المبكرة، من يقفون وقفات شموخ في وجه أدوات التعسف والقمع رافعين شعارات (النصر أو الشهادة) وهذا من طبيعة الامور المألوفة في كل مراحل الزمن، أن نجد في أي تجمهر عادي أو مسيرة إحتجاجية مؤدلجة أو حراك إحتجاجي شعبي عام، هناك حشود واسعة من فئات الشباب والاطفال والرجال والنساء، يشاركون بوعي حققيقي، أو بصورة عفوية، في مثل تلك الاحداث والمناسبات الوطنية العظيمة وذات الطابع المطلبي، ويقدمون أرواحهم قرابين من أجل الشعب والوطن، حيث استشهد منهم الكثيرين، من خلال اطلاق الرصاص الحي والمطاطي في التظاهرات الاحتجاجية المطلبية السلمية، أو تحت وطأة التعذيب في المعتقلات والسجون، والتعرض إلى الملاحقات والمطارات الأمنية و النفي القسري، إلى مختلف العواصم العربية والعالمية، وهذا هو ثمن النضال الحقيقي الثوري الذي يخدم القضية الوطنية ويدافع عن هموم الضعفاء والفقراء والمسحوقين .
هاني الريس
5 اذار/ مارس 2026
![]()