سياسة اضطهاد الشيعة ..قديمة متجددة في البحرين | النظام الخليفي يستعيد عراقة تاريخه الوحشي والدموي ضد الطائفة الشيعية والمناهضين لسياساته القمعية

من بين النتائج الكارثية التي كرستها الحرب العدوانية الامريكية والصهيونية، على أيران وتداعياتها في المنطقة، قيام النظام الخليفي القمعي في البحرين بتضييق الخناق على أبناء الطائفة الشيعية ومحاصرتهم بواسطة الحديد والنار في جميع مناطقهم وقراهم، وذلك تحت ذريعة “تعاطفهم وتمجيدهم ل “العدوان الايراني” على البحرين واشقائها في منظومة التعاون الخليجي والاردن، وصار بعد تلفيق ذلك الاتهام الاجوف، يستبيح المحظور ولا من رادع يردع أعماله وأفعاله الشنيعة والطائشة والظالمة بحق أبناء هذه الطائفة الكريمة، والتي لم تكن في يوم من الايام مانحة ولائها وانتمائها لغير الوطن، وخدمة أهدافه وتطلعاته وامانيه وتكريس وحدته الوطنية وتقدمه ورقيه وازدهاره .

و فقط قبل عدة أسابيع من الآن، شنت الاجهزة الامنية للنظام الخليفي، وجميع أبواقه الدعائية والاعلامية والصحفية المأجورة وذات النفوس المريضة والحاقدة، حملات واسعة النطاق على الطائفة الشيعية التي ظلت تصفها ب “العميلة لإيران” و التشهير بمواقف المواطنين الشرفاء الرافضين للعدوان الامريكي والصهيوني الغاشم على الجمهورية الاسلامية في ايران، والصاق تهم “الخيانة العظمى” بشخوصهم وأسمائهم، لانهم فقط وقفوا إلى جانب الحق استنكروا العدوان الغاشم الأمريكي الصهيوني، الذي أنهك ليس فقط كاهل الجارة ايران، بل أيضا دول وشعوب الخليج والمنطقة، وأعلنت مؤسسته الامنية، عن قرار اسقاط الجنسية البحرينية عن أكثر من 69 مواطنا من أبناء الطائفة الشيعية وترحيلهم خارج الديار، بحجة تعاطفهم مع “العدوان الايراني” وتمجيدهم لاعماله وأفعاله العدوانية” .

و في 20 نيسان/ إبريل 2026 أصدرت النيابة العامة البحرينية، احكامها الظالمة ضد أشخاص أبرياء، وجميعهم من أبناء الطائفة الشيعية، أتهمتهم ب”الخيانة الوطنية” و القيام ب “أعمال سرية محظور” لصالح ايران، بعد ان إدعت بأنها رصدت لهم حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي (تؤيد الاعتداءات الايرانية الارهابية، وتنشر بيانات حيوية وتصوير أماكن حيوية محظورة وتذيع أخبار كاذبة عن الوضع في البحرين” وحكمت على بعضهم بالسجن المؤبد و 10 سنوات و 5 سنوات وغرمات بمبلغ 2000 دينار بحريني لبعضهم وحبس متهم واحد لمدة عام وتغريمه 2000 دينار. في وقت يمارس فيه المجنسين السياسيين والعشوائيين، الذين جلبهم النظام الخليفي من جميع اصقاع الأرض لتغيير التركيبة السكانية يمارسون العنف والتخريب و السرقات والمشاكل الاجتماعية الأخرى ويمنحون الولاء لبلدانهم الاصلية، يمرحون ويسرحون في داخل الساحة البحرينية من دون اي محاسبة وعقاب.

وبهذا، فأن سياسة النظام الخليفي الحالية، ضد أبناء الطائفة الشيعية في البحرين، هي تأتي استكمالا لما بدأه الزعماء السابقين الاوائل لهذا النظام عند غزوهم للبحرين في العام 1783 بالعمل على تضييق الخناق على أبناء الطائفة الشيعية، الذين قاوموا الغزو والاحتلال الغاشم للبحرين، وقدموا العديد من الشهداء الأبرار، وفرضوا على الطائفة سطوة العقاب الجماعي، وجعلوا جميع مناطقها وقراها واراضيها ومزارعها و مواشيها، ما يشبه الارض المحروقة .

وبالعودة لتاريخ الظلم واستبداد النظام الخليفي تجاه الطائفة الشيعية في البحرين، من المفيد جدا أن نستذكر بعض ماكتبه “لوريمر” في الحقبة الاستعمارية البريطانية للبحرين، من خلال رسائله السياسية إلى حكومة التاج البريطانية، التي ظل يصف فيها بشاعة ظلم عائلة آل خليفة للمواطنين “البحارنة” وهو يقصد شيعة البحرين، الذين عانوا كثيرا من مرارة الاضطهاد والعسف العام والحرمان من أبسط حقوق المواطنة المشروعة .
“استبداد شيخ البحرين وعائلته تجاه مواطني البحرين”..

و يصف “لوريمر” الاوضاع السياسية العامة في البحرين، في عهد الحاكم الطاغية عيسى بن علي آل خليفة، الذي عزله البريطانيون في العام 1923 من على سدة الحكم بسبب سوء ادارته للبلاد، واحتكاره لنفسه وعائلته السلطة والحكم مدى الحياة، وامعن في قتل الناس وسلب ممتلكاتهم وإنتهاك اعراضهم بدون سبب:”ان البحرين تحت حكم الشيخ عيسى بن علي وعائلته، ظل البحارنة “الشيعة” الذين يشكلون الجزء الاكبر من قطاع المزارعين غير سعداء في حياتهم، فهم كانوا يتعرضون دائما ل “سخرية مستمرة وسيطرة كاملة تنسحب عليهم وعلى قواربهم وماشيتهم وموقعهم من الارض هو موقع العبيد وليس المستأجرين الذين يتمتعون بحرية، وإذا ما عجزوا عن انتاج كمية معينة من المحصولات فانهم يطردون من منازلهم وفي بعض الحالات يضربون ويسجنون كذلك، وبعض البحارنة هم ملاك اراضي من الناحية النظرية ولكن ممتلكاتهم يستولى عليها من دون سبب معقول، وحتى أبناء الحاكم نفسه متهمون بالظلم في هذا المجال، ومحصولات البحارنة كثيرا ما تسرق من قبل البدو، وأن البحارنة يحكم عليهم بالموت بدون محاكمة أمام قاضي، الا ان هناك ما يدعوا للاعتقاد بحصول حالات موت بينهم بسبب سوء المعاملة، وكثيرا ما يعتدى على نسائهم من قبل خدام الشيخ (الحاكم)، واذا ما ظلموا أكثر مما يستطيعون تحمله قد يلجأ البحارنة للهجرة فرارا من الاضطهاد والحرمان .

“الفرار من البحرين بسبب الاضطهاد والعسف العام”..

لقد اضطرت أعداد هائلة من أبناء الطائفة الشيعية بسبب الظلم في مراحل عديدة للهجرة من البحرين، فإنت أينما تحل في بلدان الخليج تصادف الشيعة الذين هرب اجدادهم، فشيعة البحرين موجودين في المحمرة وبندر ليخة في ايران، والبصرة في العراق، وفي الكويت، والقطيف وسيهات والاحساء في السعودية، والدوحة في قطر، وابوظبي ودبي والشارقة في الامارات، ومسقط في عمان، واما الهجرات الحديثة فكانت إلى بريطانيا ولبنان وسوريا وكندا وامريكا والسويد والدنمارك والنرويج والمانيا واستراليا ونيوزلندا .

وفي العام 1921 كتب المقيم السياسي البريطاني في البحرين الكولونيل، إي بي تريفور، إلى الدائرة السياسية وشؤون الخارج بحكومة الهند البريطانية، رسالة تحت عنوان” استبداد شيخ البحرين وعائلته تجاه مواطني البحرين” استشهد فيها ببعض الحوادث على فداحة الظلم الواقع على ابناء الطائفة الشيعية، حيث قال:” عندما وصلت الى المعتمدية في المنامة، وجدت تجمعا كبيرا من ابناء الطائفة الشيعية في الانتظار فقابلتهم في غرفة المحكمة، فقدموا لي عريضة وقرأتها، وتقدم الاشخاص وشرحوا الطرق المختلفة التي ظلموا بها، و أخبرت الوفد بان القضية ليست من النوع الذي استطيع البت فيه بنفسي، وانني خادم للحكومة البريطانية، ولابد لي من ان استلم الاوامر منها، ولم يرضهم ذلك، ولكنهم الحوا بشأن قضية أحد الاشخاص الحاضرين، فقد كان هذا الرجل يعيش في بيت والده عندما هوجم في احد الليالي من قبل الشيخ خالد (أخ الحاكم)، وقتل الوالد، بينما قطعت حنجرة الرجل نفسه، ولكنه عاش وأخذ إلى المستشفى وشفى بعد فترة طويلة، وعند خروجه من المستشفى مباشرة زج به في السجن من قبل الشيخ خالد، وبقي مسجونا زمنا طويلا، ثم اطلق سراحه بهدف التوصل إلى ترتيب معين، ولكن قبل زيارتي قدم له انذار بانه اذا لم يعلن عدم معرفته بالذين قاموا بالهجوم، وان لا اساس لشكواه ضد الشيخ خالد فانه سوف يسجن مرة اخرى، واشار البعض الى انه سوف يسجن خلال ايام قليلة، وان من المحتمل جدا ان يقتل مالم تتخذ خطوات معينة لإنقاذ حياته من التهلكة .

وكتب الميجر ديلي، المعتمد السياسي في البحرين، للمقيم بتاريخ 1 اذار/ مارس 1922 على اثر طلب الاخير، وفيها عرض الميجر ديلي عددا من الحوادث المؤلمة، التي توضح تصرفات آل خليفة ضد أبناء الشعب وخصوصا الشيعة، وكانت الرسالة عبارة عن ملحق مع الرسالة المذكورة بعنوان “أمثلة من ظلم عائلة آل خليفة للرعايا البحرانيين، عدد فيها أوجه هذا الظلم والقضايا الصعبة التي ظلت تعيشها الطائفة الشيعية .

“الانتفاضة الشيعية ضد الحاكم الطاغية عيسى بن علي آل خليفة”

في شباط/ فبراير 1922 وقعت حادثة كانت بمثابة شرارة أشعلت حريقا كبيرا لم يكن الحاكم عيسى بن علي آل خليفة يتوقعها، فبينما كان احد الفداوية (وهم عبارة عن فرق ارهابية منظمة يستعملها افراد يتبعون الحكم لبث الرعب في قلوب الناس) يقتاد مواطنا بحرينيا شيعيا من احدى القرى كان تحت الاعتقال في العاصمة المنامة قامت مجموعة من المواطنين بمهاجمة الفداوية وتمكنت من تخليص المواطن، وباعتراف المعتمد السياسي، فأن اعتقال ذلك المواطن، كان بدون سبب، وانه تعرض ايضا لضرب شديد. أدت هذه الحادثة الى اضراب واسع النطاق في سوق المنامة، وبقي المواطنون في بيوتهم بينما تظاهر البعض ضد التعسف السلطوي، وبعثت هذه الحادثة قشعريرة شديدة في اوصال حكومة الشيخ عيسى بن علي، الذي لجأ إلى المعتمد السياسي البريطاني يستشيره فيما يفعل، وقد أصابه الذعر بعد ان كان يتصرف بدكتاتورية مفرطة، و يتجاهل الانذارات المتعددة بأن انفجارا ما سوف يحدث ضده بسبب ظلمه وغطرسته، وقد عرفت هذه الحادثة بانتفاضة البحارنة الشيعة، على اثر ذلك اضطر الحاكم لمقابلة وفد يضم مجموعة من قادة ووجهاء الطائفة الشيعية، حيث قدموا له مجموعة من المطالب منها:” يمكن حمل الشيخ على القيام بذلك فيما اذا شرح له بوضوح بان رعاياه منعوا حتى الآن من الثورة عليه بسبب الحماية البريطانية له وحدها .

و في صباح 20 آيار/ مايو 1923 التقى المقيم السياسي البريطاني في البحرين، الكولونيل نوكس، مع الشيخ عيسى بن علي آل خليفة، ليبلغه قرار الحكومة البريطانية حول موضوع الاصلاحات الإدارية التي اصر على رفضها، وقد رد الحاكم بأن الاصلاحات تعني دخوله في صراعات مع القبائل ومع افراد عائلته، ومضى المقيم السياسي يطرح للحاكم أمثلة على عجزه وعدم صلاحيته للاستمرار في الحكم وذكر له امثلة من سوء ادارته ومواقفه غير المقبولة في التعامل مع الشعب، ليؤكد بذلك عدم قدرته كرجل في الخامسة والسبعين من العمر، على تحمل أعباء مشروع الإصلاحات المطلوبة .

وفي 26 آيار/ مايو 1923 أصدرت حكومة التاج البريطانية قرارا حاسما بعزله من على سدة الحكم وتعيين وريثا لحكمه، وأصبح بعد ذلك فقط مجرد تاريخ .

هاني الريس
30 أبريل 2026

Loading