
نبوءة الشيخ الجمري تحققت اليوم على أرض الواقع .. الشيعة والسنة الأوفياء مستهدفين في البحرين
في لقاء الصدفة الذي جمعني بالمرحوم سماحة الشيخ الجليل عبدالأمير الجمري، خلال إحدى المناسبات الدينية التي أقيمت في مأتم أنصار العدالة في الدراز في العام 2002 بعد عودتي من المنفى القسري الذي استمر زهاء 23 عام، وخلال الحديث مع سماحته حول مستقبل الأوضاع في البحرين بعد التصويت على ما سمي ب “ميثاق العمل الوطني و مشروع الإصلاح” والذي بموجبه تحولت البحرين من دولة مراقبة أمنية صارمة إلى مملكة، قال سماحة الشيخ الجمري وهو كما معروف كان زعيم الحركة الدستورية التي طالبت بعودة البرلمان المنحل وتفعيل المواد الحيوية المعطلة من دستور البلاد الشرعي للعام 1973 وعودة المهجرين والمنفيين ونشر العدالة الاجتماعية والإنصاف في البحرين:”إن التصويت على مشروع ميثاق العمل الوطني وإقراره تم بموافقة مشتركة من سنة وشيعة البحرين الأوفياء و المخلصين، حيث كان الهدف تغيير الأوضاع الصعبة والمأزومة وغير الطبيعية التي سادت البلاد في حقبة سنوات القمع والاستبداد المطلق التي استمرت طوال أكثر من ربع قرن، بعد حل البرلمان، وإعلان قانون أمن الدولة السيئ الصيت، وانعقدت الآمال بأن تصبح البحرين دولة برلمانية دستورية على غرار الدول المتقدمة حول العالم، ويتوقف النظام السياسي بشكل كامل و شامل عن ممارسة القمع والإرهاب والتمييز بين الطوائف البحرينية .
واستطرد سماحة الشيخ الجمري من خلال الحديث:” إن ما حدث حينذاك، كان رغبة وطنية مشتركة بين جميع الطوائف التي صوتت ب”نعم لمشروع الميثاق” فلو لم تتوافق جميع الطوائف على هذا المشروع لما استطاع النظام أن يحقق أهدافه في عملية التغيير وتحويل الدولة إلى مملكة” .
وفي جزء من الحديث، قال سماحة الشيخ الجمري:”نحن كنا صادقين مع أنفسنا ومع النظام في المشاركة في مشروع وطني مشترك كنا نأمل فيه أن يكون بادرة خير وسلام و وئام وتسامح، ومفتاح انفراج لوضع غير طبيعي وغير منصف، ولم يكن أمامنا من خيار في ذلك الوقت سوى أن نتصرف وفق مبدأ”ليجري كل شيء كما هو مقدر له” وكنا نأمل بأن يأخذ النظام كل ذلك في الاعتبار ويكون أيضا صادقا وملتزما بكل وعوده والتعهدات التي قطعها على نفسه وأمام الشعب في إجراء التغيير الحقيقي والجوهري والتمسك بدستور البلاد الشرعي وحماية الوحدة الوطنية، وأما إذا انحرف أو تراجع عن ذلك من دون أي مسوغ معقول فإن الأوضاع سوف تنفلت من عقالها من جديد .
وفي المشهد المأساوي الذي رسمته الأحداث في البحرين في الوقت الراهن، تبرز في الواجهة عمليات القمع الممنهجة وتكميم الأفواه والتمييز بين الطوائف وشق الصف الوطني بين موالين وخائنين و مخربين سياسيين وعملاء لقوى خارجية، وتجري تصفية الحسابات ليس فقط ضد طائفة معينة من الطوائف البحرينية، بل أيضا جميع الأوفياء والمخلصين من أبناء البحرين، الذين عارضوا الإجراءات الخطيرة الأمنية والعسف العام واتهامات التخوين وسحب الجنسيات الوطنية من عشرات المواطنين وترحيلهم بشكل قسري تحت ذريعة تعاملهم مع قوى أجنبية تكن العداء للبحرين وتحاول زعزعة الأمن والاستقرار وتهييج الشارع لنشر الفوضى والتخريب، واستهداف طائفة برمتها وإلصاق تهمة الخيانة بها لأنها حتى الآن لم تبايع النظام ولم تمجد أفعاله وإجراءاته الإرهابية، وفي الفترة الأخيرة ضيق النظام الخناق على 41 من رجال الدين الشيعة، وشن حملات اعتقال تعسفي ضدهم تحت حجج واهية مدعيا بأنهم مجرمين وعملاء ووكلاء محليين لقادة الجمهورية الإسلامية في إيران، ويروجون في عملهم وخطاباتهم الدينية لفكر”ولاية الفقيه” ويحاولون أن يشقوا الصف الموحد الوطني، ويحرضون الشارع الشيعي للثورة على النظام السياسي وزعزعة الأمن والاستقرار، وبناءً على ذلك التوجه المصحوب بصنوف الضغوط والتهديدات، باتت الطائفة الشيعية التي تتعرض للاتهامات الحكومية بضلوع الكثير من أبنائها بالولاء لإيران تشعر بالخوف والقلق المتزايد من الاستهداف في الفترة الحالية وبشكل غير مسبوق .
هكذا، بكل بساطة واستخفاف يتعامل الرجل الذي بايعته غالبية شعب البحرين ومن جميع الطوائف ومنحته الشرعية الواسعة والشاملة وراهنت عليه وصدقت بوعوده وتعهداته لكي يكون قائدا لمسيرة الإصلاح والتغيير، يستبيح المحظور ويخون الأمانة وينقلب على دستور البلاد الشرعي وينشر الخوف والهلع في نفوس المواطنين البحرينيين ويفرض سطوته على كل شيء، ويجبر جميع العائلات والأسر البحرينية على التوقيع على صكوك التأييد والولاء له ولعائلته ونظامه والوقوف خلف قيادتهم ، ونشر برقياتهم الموالية في الصحف ووسائل الإعلام، بالضبط كما فعل والده الراحل عيسى بن سلمان آل خليفة، الذي أجبر العائلات والأسر البحرينية وجميع الأندية وجمعيات المجتمع المدني على نشر برقيات التأييد والولاء والسير خلف قيادته إبان السنوات الأربع التي سحق فيها الانتفاضة الدستورية في حقبة سنوات التسعينات من القرن الماضي، ويعلن عن عدائه الصريح والواضح لدولة جارة وهي إيران، التي دافعت عن نفسها في مواجهة العدوان الأمريكي الصهيوني الغاشم، في نفس الوقت الذي ظل يتباهى فيه بولائه المطلق وطاعته العمياء للولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني، ويتراجع عن كل شيء، حتى عن سيادة البحرين واستقلالها، تحت مبررات الخوف من الأطماع الإيرانية ومحاولاتها المحتملة لشن الحرب على البحرين وتغيير الأوضاع، وذلك بالرغم من جميع التصريحات الإيرانية المطمئنة لحكام البحرين و دول منظومة التعاون الخليجي بأنها لم تضمر العداء لهم، وأنها تحترم سيادة واستقلال بلدانهم، انطلاقا من عوامل الجيرة والدين والروابط الاجتماعية والجغرافية .
ومن خلال كل ما تقدم، بدا أن نبوءة سماحة الشيخ الجمري، كانت صادقة، ما أن حصل الحكم على المبايعة والشرعية من خلال التصويت لمصلحة ميثاق العمل الوطني، واستكمل مشروعه السياسي وهيمنته الواسعة والمطلقة على جميع مفاصل الدولة والمجتمع، حتى انقلب على دستور البلاد الشرعي المتوافق عليه بين الأسرة الحاكمة والمجتمع، وأخذ يتلاعب بمضامين ونصوص وبنود ميثاق العمل الوطني ويحرفها ويجيرها لمصلحته وليس للمصلحة الوطنية العليا الذي يفترض عليه احترامها .
رحم الله سماحة الشيخ عبدالأمير الجمري وأسكن روحه الطاهرة فسيح جناته مع الشهداء الأبرار، وكنا نتمنى لو كان لا يزال على قيد الحياة أن يرى ويشاهد بنفسه عجائب وأهوال ما يفعله ويمارسه هذا النظام الخليفي من جرائم بشعة في حق الإنسان في البحرين وخنق الحريات والعمل على شق الوحدة الوطنية واتهام الأبرياء بالخيانة الوطنية والعمالة للقوى الأجنبية التي تضمر العداء للبحرين .
هاني الريس
26 مايو 2026
![]()