عدم الاعتراف بالآخر (2 من 4)

حقائق القمع والقتل .. كيف صار يحلم ولي العهد ووزير الدفاع البحريني، حمد بن عيسى آل خليفة، أن يصحوا ذات صباح ويجد جميع المناطق الشيعية في البحرين غارقة في أعماق البحر؟

بدلاً من أن تعترف السلطة البحرينية واجهزتها البوليسية القمعية، بفداحة أخطائها البالغة، التي ارتكبها بحق الشعب والوطن، وتفيق من تأثيرات عقدة “الغرور بالقوة” والقبول بمساعي الحكمة والتعقل، التي بادر بطرحها العقلاء لوقف نزيف الدماء في البحرين، صارت تتمادى في ممارسة أساليب القهر والقمع عبر حملات الاعتقال التعسفي، وقتل المواطنيين في التظاهرات والاعتصامات السلمية، وتحت وطأة التعذيب داخل المعتقلات والسجون، والعمل على حبك خيوط الفتن والمؤامرات الخبيثة.

وذلك من أجل إضعاف وتفتيت شمل الوحدة الوطنية، والتستر على الظلم والفساد والاستبداد، والافتراء على المنظمات الدولية الديمقراطية والمنظمات المدافعة عن حقوق الإنسان، التي كانت توجه لها في كل مناسبة ترتكب فيها الاخطاء الفاحشة والانتهاكات الفاضحة لحقوق الانسان، جملة من الانتقادات والاعتراضات، بسبب غياب الديمقراطية وحقوق الإنسان، وصارت تتهم كل هذه المنظمات بالتحيز وتلفيق الأخبار والمعلومات لمصلحة قوى المعارضة البحرينية، من دون أن تدعم إتهاماتها وإفتراءاتها، بدلائل يقينية وبراهين قاطعة.

فلم تتورع بعد كل هذه الاعتراضات والانتقادات، عن القيام بعمليات إرهابية منظمة ضد المواطنيين الآمنين والحركة الدستورية ونخبها وقواعدها وانصارها، على شكل حملات اعتقال تعسفي خارج أطار القانون، وإطلاق الرصاص الحي والمطاطي على التظاهرات الاحتجاجية السلمية، وفرض الحصار الأمني على العديد من مناطق البلاد وبشكل خاص المناطق الشيعية التي تعتبرها مصدر الخطر الداهم على الوضع الامني، وتنتشر بداخلها بؤر التوتر الاحتجاجات ضد النظام، والاعتداء على حرمات المنازل ودور العبادة ومنع المواطنيين من أداء شعائرهم الدينية، وبعثرة وتمزيق الكتب والبحوث والمراجع الدينية، بما في ذلك القران الكريم داخل حرمات المساجد، وأعلنت عن حالة طوارئ قصوى وأنزلت قوات الجيش إلى جانب قوات الأمن العام لأحكام السيطرة و الحصار المفروض على تحركات الحركة الدستورية .

وقد أكدت جميع الوقائع والمعلومات الموثقة لدى المنظمات الحقوقية الوطنية والدولية، على أن قوات من الجيش وعناصر الأمن العام مجتمعين، انتهكو كافة المحرمات والممنوعات، من خلال تمشيط مناطق واسعة من البلاد، بحثا عن (مواطنيين مطلوبين) تشتبه السلطات في ضلوعهم في أعمال عنف وتخريب خلالالتظاهرات الاحتجاجية المطلبية، واستمرارها في عمليات قمع الاحتجاجات المطلبية السلمية في جميع المناطق التي شهدت الاحتجاجات والاعتصامات، وذلك عبر استخدام الطلقات النارية القاتلة والغازات المسيلة للدموع، وخراطيم المياه، والرصاص الحي والمطاطي، وغازات الأعصاب بأنواعها المختلفة، وشن حملات اعتقال عشوائية طالت الاطفال والنساء وكبار السن، وفي بعض الأحيان استخدمت الطائرات المروحية (الهيلوكبتر) لقصف المناطق الآمنة، كما حدث في الدراز والسنابس والبلاد القديم، حيث قصفت هذه الطائرات وعلى مدار ساعات التجمعات والتجمهرات، المطالبة بوقف اعمال القمع ضد المواطنيين، وإطلاق سراح المعتقلين والموقوفين، وعودة الدستور والبرلمان، مما يدلل على وحشية السياسة التي تنتهجها السلطة البحرينية، تجاه مواطنيها الابرياء المطالبين بالحريات العامة والعدالة الاجتماعية والاصلاح الحقيقي والجوهري .

واعتماداً على هذه السياسة الاستبدادية القمعية وغير المكبوحة، أكد ولي العهد ووزير الدفاع والقائد العام لقوة دفاع البحرين، حمد بن عيسى آل خليفة، (حاكم  البلاد الحالي)  وبصفته أيضا وزير الدفاع و القائد العام لقوة دفاع البحرين، بأن الحكم لن يقف مكتوف الايدي ازاء مايحدث في البلاد من ( فوضى دامية) و (عمليات تخريب) ضد المكتسبات والانجازات الوطنية العامة والخاصة، وأنه سوف يكون (مضطرا للغاية) إلى استخدام كافة وسائل الردع الممكنة للقضاء عليها، بل وانه قد تعهد بكل صراحة ووضوح أن القوات المسلحة البحرينية، سوف تكون على هبة الاستعداد لمحاصرة ودك جميع مناطق بؤر التوتر والاحتجاجات، وتركيعها والقضاء عليها وملاحقة (المخربين) واعتقالهم تقديمهم للعدالة.

وإذا تطلب الامر أكثر من ذلك فانه سوف يجعل من كافة تلك المناطق، بما يشبه الأراضي المنهكة المحروقة، وليس هناك  أية غرابة مطلقة في ما كان قد صرح به ولي عهد البحرين، حمد بن عيسى آل خليفة، من جعل مناطق الاحتجاجات أراض محروقة، وهي بالمناسبة مناطق سكن الغالبية الشيعية، فقد كانت تراود مخيلته فكره أحلام القضاء على الطائفة الشيعية في البحرين، التي هي في رأيه لم تتوقف البتة عن اعتراضاتها وانتقاداتها ومعارضتها للنظام السياسي، وتريد اسقاط حكم العائلة الخليفية واقامة الدولة الشيعية، وكان يتمنى أن يصحو من نومه ذات صباح، ولا يجد مواطنا شيعيا واحدا قاطنا في جميع تلك المناطق، وبعد كل هذه التهديدات الضمنية والعلنية، أعطيت الأوامر لجميع الضباط وأفراد الشرطة والجيش باستخدام القوة المفرطة والقيام بأبشع الانتهاكات في حال تعرضهم للخطر.

فسارع هؤلاء بتنفيذ تلك الأوامر واطلقوا حمم نيرانهم العشوائية على تجمهرات المواطنيين العزل، ومن دون أية شفقة أو رحمة، وذلك بالرغم من عدم تعرضهم للخطر، لان جميع التظاهرات والاعتصامات الاحتجاجية المطلبية كانت قد تمثلت بطابع سلمي، وقاموا بعمليات ممنهجة لمداهمة واقتحام حرمات المنازل الآمنة والمسالمة، وإعتدوا على حياة العديد من العائلات، ونهبوا أموالهم وبعثروا جميع محتوياتهم الخاصة المنزلية، ودمروا بعض هذه المنازل تدميراً كاملاً، كما حدث مع عائلة التيتون التي فجرت قوات الأمن منزلها في ليلة سوداء معتمة، في منطقة النعيم بالعاصمة المنامة، وذلك بوضع عبوات ناسفة، أشعلت حريقا هائلا في المنزل وقضت على أرواح جميع أفراد العائلة وهم غارقين في نومهم ـ يا سبحان الله ـ حيث ذهبوا بعد هذه المجزرة الوحشية، التي هزت البلاد، وإقشعرت لها أبدان المجتمع البحريني برمته، إلى ملاقاة وجه ربهم شهداء أبرار في جنات الخلد.

وهكذا وبهذه الوحشية المطلقة مارس ولي العهد ووزير الدفاع والقائد العام لقوة دفاع البحرين حمد بن عيسى آل خليفة، والذي منحه مجلس امناء جامعة موسكو الحكومية الروسية للعلاقات الدولية في العام 2021  شهادة الدكتوراة الفخرية ” تقديرا ” للدور الجبار الذي لعبه في تكريس وتعزيز التعايش السلمي والحوار بين الاديان والثقافات المختلفة، سياسة البطش والتنكيل بالمواطنين الآمنين وتهديم بيوتهم على رؤوسهم وحرق قراهم .

ولو افترضنا جدلا بأن مناطق الاحتجاجات، كانت تحتضن بعض (المخربين) كما كانت تطلق عليهم السلطة البحرينية، فهل يحق لقوات الامن وعساكر قوة دفاع البحرين، أن تمارس أساليب العقاب الجماعي العشوائيالمجنون وتقلق مضاجع المواطنيين الآمنين، وتقتحم منازلهم وتعبث بممتلكاتهم وتفجرها بعبوات ناسفة وتنهي بها حياتهم ؟ وبأي وجه حق، وبأية شرعية سماوية أو غيرها يحق إلى ولي العهد ووزير الدفاع، حمد بن عيسى آل خليفة، بأن يأمر بالقضاء على الناس ويهدد بجعل مناطق الاحتجاجات السلمية المطلبية، أراض محروقة، ويقوم بتنفيذ وعده ووعيده على أرض الواقع، وبأي وجه أيضا سيلاقي وجه ربه في يوم القيامة الموعودة؟

وفي يوم 1 نيسان/ ابريل من العام 1995 الذي أقدمت فيه السلطة البحرينية، على اعتقال سماحة الشيخ المجاهد الشهيد، عبد الأمير الجمري، ووضعه تحت الإقامة الجبرية، ردت قوات الأمن على الجماهير الحاشدة، التي طالبت بفك الحصار المفروض على منزل سماحة الشيخ في منطقة بني جمرة، وتحريره من الاسر القسري، وذلك باستخدام وسائل القوة المفرطة، التي أدت إلى مقتل العديد منهم وجرح العشرات وتم اعتقال المئات من الشباب والأطفال والنساء، وهذه هي المرة الأولى التي تحاول فيها قوات الأمن اعتقال أعداد كبيرة من النساء بلغت أكثر من 195 امرأة، وعدد من طالبات المدارس الإعدادية والثانوية، كما استخدمت قوات الامن الطائرات المروحية لإطلاق النار على الحشود المتجمهرة قبالة منزل الشيخ الجمري، وطائرات أخرى لتصوير المتظاهرين في خطوة تبدو تمهيدا لاعتقالهم، إضافة لاحكام الطوق على المناطق التي إعتبرتها بمثابة “بؤر ساخنة للتحرك الاحتجاجي”.

وقامت أجهزة السلطة البحرينية، منذ الساعات الاولى لتلك المسيرات الغاضبة، باتخاذ خطوات وإجراءات صارمة ورادعة لوقف زحف المحتجين، الذين رفعوا شعار الدفاع عن زعيم المعارضة سماحة الشيخ عبدالامير الجمري، وأعلنت مايشبه حالة الطوارىء، ومنع التجوال في العديد من مناطق الاحتجاجات، وبخاصة شريط القرى الواقعة على شارع البديع (الدراز وبني جمرة والمرخ وسار وباربار وأبو صيبع والمقشع والديه والسنابس.

بالاضافة إلى اسكان جدحفص حيث استثنت قوات الأمن الدخول إلى عمق مدينة جدحفص، التي بقيت صامتة تقريبا طوال السنوات السبع من تلك الاحداث، بسبب كثرة ” الفتاوى الشرعية ” التي أعلن عنها إبن تلك المدينة سماحة الشيخ سليمان المدني، الذي عارض المشاركة في حراك الحركة الدستورية وتخلى عنها وتسبب في انقسام الطائفة الشيعية في توجهاتها نحو هذا الحراك، ووقف مدافعا عن سياسة النظام في مواجهة أنشطة وتحركات الحركة الدستورية المطلبية وزعيمها الفذ سماحة الشيخ عبدالامير الجمري، الذي حمل بنفسه الثقل الأكبر من التضحيات النضالية في سبيل القضية الوطنية، وأحكمت عليها الحصار بطوق ناري، وشوهدت هناك طائرات مروحية تحلق في سماء بعض تلك المناطق وتقوم باسقاط المنشورات التي تحذر فيها السكان من الخروج إلى الشارع والمشاركة في هذه الاحتجاجات.

وفي حينها أعلن ولي العهد وزير الدفاع القائد العام لقوة دفاع البحرين، عن مهمة أمنية مفتوحة للقضاء على أية حركة أو تحرك شعبي ينطلق في تلك الساحات، وفي هذا الوقت نشرت المنظمات الحقوقية الدولية، في تقاريرها حالات كثيرة من الانتهاكات الامنية الصارخة، التي حدثت لاعداد كبيرة من الاشخاص خلال تطبيق إجراءات منع التجوال، حيث قامت قوات الأمن باحتجاز الأطفال والاعتداء عليهم بشكل وحشي، كما سجلت هناك حالات إغتصاب للنساء، ونهب وسرقة سيارات المواطنيين أو إحراقها بصورة متعمدة، وكانت هذه التقارير قد أدانت في فترة سابقة عمليات القتل العمد خلال التظاهرات الاحتجاجية السلمية، التي مارستها قوات الأمن ضد المحتجين.

وسقط خلالها أول شهيدين في الانتفاضة الدستورية، وهما الشهيد هاني خميس، والشهيد هاني الوسطي، الذين قضوا نحبهم بالرصاص الغادر على أيادي قوات الأمن البحرينية في الاسابيع الاولى من التظاهرات، وعلى الرغم من كل هذه الاجراءات الصارمة والمجحفة والوحشية، تواصلت موجة الاحتجات في معظم المناطق البحرينية، ومن دون أي تراجع أو توقف أو استسلام لممارسة البطش والقتل من قبل الاجهزة الامنية الاستبدادية القمعية، وكان شعارها هو الموت ورفض الخنوع والاذلال، وعندما كانت السلطة البحرينية تفتقر إلى القوة التي تستطيع ردعهم طلبت النجدة من جارتها الكبرى المملكة السعودية، ولكن الاخيرة طالبتها بالتريث وضبط النفس لاعادة الاستقرار بالوسائل السلمية، تحت مبرر أن الوضع الاقليمي والدولي في ذلك الوقت لم يعد صالحا أو مناسبا لأي تدخل عسكري مباشر في الشأن الداخلي البحرين .

وفي كل الاحوال فقد قلب ولي العهد ووزير الدفاع البحريني حمد بن عيسى آل خليفة، في تلك الاحداث صفحة جديدة في تاريخ البحرين، صفحة عنوانها سياسة القمع والقتل والتنكيل بالمواطنين الآمنين، بل وبتركيع وسحق المجتمع البحريني برمته بواسطة الحديد والنار وحرمانه من ممارسة أبسط الحقوق التي كفلتها له جميع العهود والمواثيق الدولية ودستور البحرين .

الحلقة القادمة .. أكاذيب السلطة البحرينية وافتراءاتها، حول ما قيل عن مؤامرة حزب الله البحريني في العام 1996 ..  ولماذا حذرت سفارات الدول الغربية جميع رعاياها في البحرين من الذهاب إلى المناطق الشيعية، وكيف زينت جريدتي ” أخبار الخليج ” و ” الايام ” البحرينيتين، الطريق لمشاريع السلطة البحرينية المظللة والمشبوهة .  

هاني الريس

30 تموز/ يوليو 2021

Loading