رموز الحرب الباردة في برلين… ماضي جدار… وحاضر بؤس

احتفلت ألمانيا في التاسع من نوفمبر/ تشرين الثاني 2009، بالذكرى العشرين لسقوط جدار برلين، الذي شكل منذ العام 1945 الأساس الايديولوجي الصلب في الحرب الباردة بين المعسكرين (الاشتراكي الشيوعي) و(الرأسمالي الغربي)، والذي أبقى على التقسيم المأساوي للقارة الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية، وراح ضحيته أكثر من 200 قتيل من الألمان الشرقيين ممن حاولوا الفرار إلى الشطر الغربي، إلى أن أدى انهيار الشيوعية في ألمانيا الشرقية وقيام الوحدة الألمانية ذات السيادة الكاملة في العام 1991، بإزالته إلى غير رجعة.

جرى الاحتفال الرسمي الذي وصفته الصحافة الألمانية الرسمية بـ «عيد الحرية» بحضور، رموز الحرب الباردة المتقاعدين، المستشار هلموث كول (أول مستشار لألمانيا الموحدة) البالغ من العمر (79 عاما) والرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الأب (85 عاما) وآخر الرؤساء السوفيات ميخائيل غورباتشوف (76 عاما) في غياب كل من المرأة الحديدية رئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارغريت ثاتشر (84 عاما) المصابة بمرض الزهايمر، والرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران، وحشد كبير من قيادات الدولة الالمانية تتقدمهم المستشارة أنجيلا ميركل، ورؤساء الاحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني.

قبل توطيد وتعزيز دعائم الوحدة الالمانية، تعهد جميع رموز الحرب الباردة، ومن تسلم مقاليد الحكم بعدهم بقيام «وحدة المانية جديدة» تنسف كل ما تبقى من نبؤات «جيو – سياسية» العهد النازي، وعدم فرض الهيمنة الفعلية على باقي الدول الاوروبية في ميادين السياسة أو الأقتصاد، وبتحمل قدر أكبر من المسئولية تجاه إعادة وتكريس التوحيد، وتقديم مئات المليارات من الدولارات والماركات الالمانية الغربية لإعادة إعمار المانيا الشرقية وبث روح النهوض والحيوية لدى شعبها.

وعلى رغم الاندفاع الكبير تجاه عملية التوحيد في المانيا، شعر بعض زعماء الدول الأوروبية وبخاصة بريطانيا وفرنسا، بالقلق المشوب بالخوف من تسريع الوحدة الألمانية، لأنهم في الحقيقة كانوا يخشون أن تحل المانيا الموحدة القوية، محل الاتحاد السوفياتي العملاق، الذي بدت عليه ملامح الانهيار في تلك الفترة، كخطر رئيسي محتمل للاستقرار والأمن في اوروبا، فبادئ ذي بدء هدد الرئيس السوفياتي ميخائيل غورباتشوف، بأنه سيمنع المانيا الموحدة من ان تكون عضوا في التحالف الغربي (الناتو)، وأصر على بقاء قوات سوفياتية مرابطة في أراضي المانيا الشرقية لمواجهة امتداد الحلف وتوسعه، إلى جوار الاراضي السوفياتية، فيما أشارت مصادر دبلوماسية فرنسية مقربة من الرئيس فرانسوا ميتران، بأن فرنسا، ليست متحمسة لقيام الوحدة بين الألمانيتين، على الرغم من عزم الحكومة على قرار سحب القوات الفرنسية المشاركة مع قوات التحالف الغربي، المرابطة في الأراضي الألمانية الغربية، وان بريطانيا كانت تعارض قيام الوحدة، خوفا من سطوة المانيا القوية بالاقتصاد والتكنولوجيا والبشر، على بلدان القارة الأوروبية، ففي هذا الشأن حاولت مارغريت ثاتشر، أن تثني الرئيس السوفياتي ميخائيل غورباتشوف عن الموافقة على قيام الوحدة الالمانية وتحدث وزير التجارة البريطانية في عهد مارغريت ثاتشر، نيكولاي رايدلي، عن خطورة المانيا الموحدة الجديدة، الذي لم يتورع عن المقارنة، بينها وبين رايخ هتلر، وقال إن بريطانيا متخوفة مما قد تفعله المانيا في النهاية مع تطورها الاقتصادي وقوتها المتنامية في اوروبا.

وفي أواخر العام 1990، حاول الرئيس ميتران وزعماء آخرون في المجموعة الأوروبية، اقناع المستشار هلموث كول، بجعل عملية التوحيد بطيئة وتدريجية، ولكن كول شعر بأن حنين جميع الألمان للوحدة يفوق كل التصورات، وانهم يريدونها بسرعة البرق، ولذلك فانه تعمد تسريع عملية التوحيد، كما أن بعض حلفاء المانيا، أدركوا أن من المستحيل إبطاءها أو محاولة التراجع عنها، فقرار التسريع في توحيد المانيا اتخذ في شهر يناير/ كانون الثاني من العام 1990، عندما أعرب وزير الخارجية الأميركي في عهد الرئيس جورج بوش الأب، جيمس بيكر، عن مخاوف الولايات المتحدة الأميركية من حدوث فراغ يرتبط بتفكيك المانيا الشرقية، وحث الدول الصديقة لاحتواء هذا «الحدث الخطير في أوروبا» وقد حصل بالفعل على موافقة القوى المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، بريطانيا وفرنسا والاتحاد السوفياتي، إضافة إلى الألمانيتين، في ما كان يعرف بصيغة المفاوضات (2 + 4) التي تم التوقيع عليها في موسكو في 12 سبتمبر/ أيلول 1990، وأرست الطريق السريع للوحدة الألمانية المأمولة.

وبعد مرور عشرين عاما على سقوط الجدار الذي مزق القلوب والنفوس في المانيا، وسار بالألمان الشرقيين إلى التحول السلمي وإلى الحرية – بحسب – المستشار هلموث كول، يشعر الكثير من الألمان في ما كان يعرف بالشطر الشرقي، بعميق الأسف على زوال الإيجابيات والمكاسب الاجتماعية والاقتصادية التي تحققت في عهد الجمهورية الاشتراكية الديمقراطية، لأنهم برغم توسيع نطاق الحريات التي كانت مشددة في الحقبة الشيوعية المنهارة، وجدوا ولأعوام متتالية، ما كانوا يخشونه بعد سقوط الجدار، وهو الوقوع في شرك الخسائر الأقتصادية الباهظة والتمييز الاجتماعي نتيجة للتوحيد، فقد ازدادت الصعوبات الاجتماعية ومعدلات البطالة والفوارق الاقتصادية في معظم المحافظات الألمانية الشرقية، وارتفعت أسعار السكن والمواد الاستهلاكية الاساسية اليومية، التي كان يوفرها النظام الشيوعي السابق بأسعار بسيطة ورمزية إلى حد أصبح فيه المواطن الشرقي أكثر فقرا وبؤسا من شقيقه في الشطر الغربي، على الرغم من سعي الحكومات الألمانية المتعاقبة لردم الهوة في الفوارق بين أبناء الشطرين.

وفي ظل كل هذه الظروف الاجتماعية والاقتصادية الصعبة التي يعيشها أبناء الشطر الشرقي من المانيا، يزدهر عمل الأحزاب السياسية المنادية بالتغيير إلى الأفضل، والحركات الشوفينية التي تسعى إلى طرد الأجانب بوصفهم أجساما غريبة على المجتمع، وهي تشكل الآن نسبة كبيرة في المجتمع، فالعديدون بدأوا يشعرون أنهم ينجرفون إلى الحنين للماضي (الألماني الشرقي) الذي يقول البعض انه أبقى الناس في بحبوحة اقتصادية معقولة ومتفوقة على كل اقتصادات شعوب المنظومة الاشتراكية الشيوعية السابقة، رغم حصار الديمقراطية وخنق الحريات

Loading