ليلة ثلجية عاصفة عشتها مشردا في شوارع لندن (1996)

عندما سافرت إلى لندن للمشاركة في مؤتمر قوى المعارضة البحرينية عام 1996، بناء على (الدعوة الكريمة، التي وجهها الدكتور مجيد العلوي، لجميع فصائل وشخصيات المعارضة في الخارج، نيابة عن حركة أحرار البحرين) هبطت بنا طائرة الخطوط الجوية البريطانية في مدرجات مطار هيثرو الدولي، في ساعة متأخرة من بعد منتصف الليل، وبعد إستكمال كافة الاجراءات الامنية والجمركية، صعدت على متن قطار الميترو المتجه نحو محطة أنفاق منطقة (كنز كروس) حيث يقع بجوارها مبني دار الحكمة، الذي كان يفترض أن تعقد فيه أعمال المؤتمر. وبحسب موعد مسبق مع الدكتور مجيد العلوي، منسق فعالية المؤتمر، أن أحجز مكانا لي في مبنى دار الحكمة، حيث سيكون فيه مقر اقامتي طيلة الايام التي يعقد بها المؤتمر، وأخبرني بأنه يوجد هناك من يستقبلني عند وصولي إلى الدار في جميع الاوقات .

وصلت إلى مبنى دار الحكمة، بعد مشقات رحلة سفر طويلة ومضنية من الدنمارك، إلى لندن. وجدت الباب موصدا أمامي، ولم يكن هناك أحد في انتظاري، رغم تأكيدات الدكتور مجيد العلوي، على وجود أشخاص في المبني، مهمتهم استقبال الضيوف المشاركين في المؤتمر، وفي مقدمتهم محمد علي مهدي منسق أعمال الدار. هاتفت، الدكتور مجيد العلوي، وهو صديق الصبا و (رفيق النضال السياسي) لكي أخبره عن وجودي في لندن، وأشرح له وضعي الحرج والصعب، بعد أن وجدت أبواب دار الحكمة موصدة في وجهي، وأتوسله معالجة مشكلة المبيت في تلك الليلة الماطرة والثلجية كالزمهرير، حيث لم يكن في جيبي أي مبلغ يكفي لاستئجار غرفة متواضعة في أدنى فنادق المنطقة. جاوبني الرجل بصوت شاحب ومرتبك وهو يقول لي (سامحك الله .. لقد أيقظتني من عز النوم) في ساعة متأخرة من الليل، وأنا (عندي شغل) غدا في الصباح الباكر، وعليه ليس بمقدوري الآن المجىء اليك، في هذا الوقت، ودبر أمورك بنفسك. (علما بأن الشقة التي يقطنها الدكتور مجيد العلوي بمفرده، لاتبعد سوى بضع مسافات قصيرة من دار الحكمة ومحطة أنفاق كينز كروس). أو حاول أن تتصل الآن، في بيت الدكتور سعيد الشهابي، لعل أحدا يستطيع المجىء اليك والذهاب معه، إلى هناك، حيث يوجد رفيقك، عبدالرحمن النعيمي، الذي وصل اليوم إلى لندن وهو الآن يقيم في ضيافته.

قلت للدكتور مجيد العلوي:” ليس من طبيعتي إزعاج الناس في الاوقات الحرجة و الصعبة لو لا الحاجة الملحة” وفي كل الاحوال، سوف أتدبر أمري بنفسي. قدمت له بالغ التحية والشكر، وأنهيت معه تلك المحادثة التي استغرقت أقل من ثلاث دقائق، وأنا في حالة ذهول مما حدث. رجل يعتبر نفسه مناضلا حقيقيا ويتصرف بهذه العقلية الصطحية، ليس فقط مع مناضل مثله، بل أيضا مع صديق الصبا وجاء يطلب منه حاجة ملحة. بقيت في تلك الليلة الموحشة والمؤلمة والممطرة بغزارة، حائرا تائها مشردا بين محطات الانفاق الموصدة أبوابها أمام زبائنها من المسافرين، في أنصاف الليل، والباصات الحمراء اللندنية الشهيرة، وبقيت أتجول على متنها طوال عدة ساعات من الزمن، لا لشيء، سوى من أجل التدفئة وتمضية الوقت المتبقي من تلك الليلة الموحشة والمؤلمة، والتجوال بين الشوارع الضيقة المقفرة والخالية من المارة سوى اولئك السكارى والمشردين من البؤساء، الذين كانوا يخيمون عادة بالقرب من محطات القطارات والمترو، والذين كانوا يفترشون الارض على جنبات الارصفة الضيقة، والمتكومون بكثرة على درجات المباني المتلاصقة بعضها ببعض في ذلك الحي الفقير والبائس، والتي كانت قد أستبدت به عتمة الليل، وغمرت جميع جوانبه، قطرات الامطار والسيول الغزيرة، وعواصف الرياح الصرصر.

بحلول ساعات الصباح الباكر، التي أخذت تأتي ببطء شديد للغاية، اتصلت بالدكتور سعيد الشهابي، وأخبرته بكل ما حدث لي من متاعب في تلك الليلة المشؤومة. تفاجأ بالأمر كثيرا، وأبدى أسفه واستغرابه من تصرف الدكتور مجيد العلوي، وقال:”كيف يحدث ذلك وانتم أصدقاء الصبا والشباب؟” قلت له:” هذا هو الامر الذي حصل” . سكت لبرهة، ثم طلب مني المجيء الى بيته في ضواحي لندن، للاستراحة وإلى اللاتحاق برفيقي عبدالرحمن النعيمي، الذي كان قد بات في تلك الليلة هناك. تقدمت له ببالغ الشكر والتقدير على موقفه الأخوي والانساني، في نفس الوقت الذي قدمت فيه إعتذاري عن الذهاب إلى بيته في ذات الوقت، بسبب كثرة الاجهاد والتعب وبعد المسافة. عند ذلك أعطاني عنوان شقة قال أنها تخص الدكتور منصور الجمري، كانت تقع بجانب محطة (سانت بانكراس) المجاورة لمحطة أنفاق كينز كروس، وكان يقيم فيها بشكل مؤقت أحد الاشخاص الفارين من بطش السلطة البحرينية، وهو (محمد ميرزا العبيدي) وقال لي ربما أنك تعرفه لانه أيضا من قرية الدراز، وطلب مني الذهاب إلى تلك الشقة، وإنتظاره هناك حتى يأتيني في ساعات المساء الاولى بعد أن ينتهي من دوامه في العمل. عندما وصلت إلى الشقة وجدت محمد ميرزا العبيدي، يستعد للذهاب إلى الجامعة، وقبل أن أعرفه بنفسي إستقبلني بحفاوة بالغة، وقال لي لا داعي للتعريف بنفسك .. أنا أعرفك جيدا أنت أكيد (هاني الريس .. أنت ولد الديرة) ويعني بها قرية الدراز، التي نحن أبنائها، وقدم لي كل ما أحتاجه من خدمة منزلية، وسلمني مفتاح أحتياطي للشقة قبل أن يغادر إلى حرم الجامعة.

في ساعات المساء الاولى، جاءني الدكتور سعيد الشهابي، وذهبت بمعيته إلى بيته، الذي كان يبعد قرابة نصف ساعة أو أكثر عن وسط مدينة لندن. ومكثت هناك في ضيافته، إلى جانب الرفيق عبدالرحمن النعيمي، الرجل المناضل الصادق والمخلص، الذي ظل يسهر الليالي في هذا البيت، الذي أستقبلنا أهله بحفاوة بالغة وقدم لنا كافة الخدمات، وذلك من أجل إعداد مشروع وطني متكامل وجامع للمستقبل، قرابة خمسة أيام بلياليها. الغريب في الامر حقا أنني عندما التقيت بالدكتور مجيد العلوي، في اليوم التالي، وذكرته بما (فعله بي ليلة البارحة) من تصرف لا يليق بمستوى صديق و(مناضل مثله). لم يعتذر الرجل ولم يتأسف، بل ظل يطلق (النكات) المملة والباردة، التي أشتهر بها في حياته اليومية العادية، وكأن شيئا مؤسفا بالنسبة له لم يحدث.

ومنذ ذلك الوقت لم التقي الدكتور مجيد العلوي، سوى مرة واحدة فقط في البحرين، عندما عاد ضمن صفقة المصالحة ـ الشخصية الفردية المشهورة ـ مع السلطة البحرينية، ونحن، عدنا بموجب إعلان العفو العام الشامل في عام 2001 وذلك في المقر القديم لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد) في أم الحصم، وكان جالسا في حديقة المقر، إلى جانب عبدالرحمن النعيمي، وعبد النبي العكري، وآخرين، من أعضاء جمعية العمل الوطني الديمقراطي، وعندما شاهدني أهم بالدخول من الباب الرئيسي للجمعية، وكان بصحبتي الزميلين، عبدالله الدرازي (أصبح لاحقا نائب رئيس المؤسسة الوطنية لحقوق الانسان) والمهندس جميل خلف العلوي، لم يبادرني الدكتور مجيد العلوي، بالتحية، بل بادر وبالصوت الجهير (أهلا بالمناضل ..) في محاولة يبدو أنه كان قد رآها بـ (خفة الدم) وكأنما أصبح النضال في نظره بمثابة “عار” على الناس البسطاء والكادحين والمناضلين من اجل نيل كافة حقوقهم المسلوبة .

طوال الايام الخمسة، التي قضيناها، عبدالرحمن النعيمي، وأنا، في مدينة لندن، لم يبخل علينا الاخوة البحرينيون الاعزاء المقيمون هناك، سواء لاسباب سياسية أو تعليمية، أو صحية، بشيء، وظلوا يوفرون الينا كافة الاحتياجات اليومية المتعددة، وبخاصة من جانب الاخوة في حركة أحرار البحرين الاسلامية، وفي مقدمتهم الدكتور سعيد الشهابي، والدكتور منصور الجمري، ومحمد علي مهدي، والسيد هادي الموسوي، والأخير (أصبح لاحقا مسؤول دائرة الحريات في جمعية الوفاق الاسلامية ونائب في البرلمان البحريني عن جمعية الوفاق) وكان هو الشخص المكلف بمرافقة عبدالرحمن النعيمي، طوال فترة المؤتمر، وكان شديد الاهتمام بمصاحبتنا بعد الانتهاء من عمل المؤتمر، وصار يتجول بنا على متن سيارته المتواضعة، في برنامج رحلة سياحية ممتعة، بين أحياء ومعالم مدينة لندن الاثرية التاريخية.

هاني الريس

27 أيار/ مايو 2022

المشاهدات: 8,074