رسالة إلى أمير البحرين حمد بن عيسى آل خليفة “الديمقراطية طريقك لا التمسك بإرث الماضي”

مهما كان موقف المعارضة الوطنية والاسلامية البحرينية، من سياسات أمير البحرين الراحل عيسى بن سلمان آل خليفة، الطائشة والقمعية، فإنه من الواضح، أن رحيله المفاجىء في آذار/ مارس 1999، لم يسر خواطر قوى المعارضة البحرينية، التي ظلت متشددة وبقوة تجاه تلك السياسات. بعد وفاة الامير مباشرة، تقدمت المعارضة البحرينية في الخارج برسالة تعزية، إلى أمير البحرين الجديد حمد بن عيسى آل خليفة، لمصابه بفاجعة رحيل والده، وتهنئته في نفس الوقت على تسلمه سدة العرش.

وقد شددت قوى المعارضة البحرينية في سياق تلك الرسالة، على ضرورة حدوث التغيير و(تدمير قوافل السفن البالية) التي تميزت بها سياسات عهد والده الراحل عيسى بن سلمان آل خليفة، والتطلع بنظرة ثاقبة للمستقبل. في هذه المناسبة، بعثت أنا ( هاني الريس )، برسالة مفتوحة إلى أمير البحرين الجديد، حمد بن عيسى آل خليفة، نشرت على صفحات جريدة (العرب) اللندنية، في 1 حزيران/ يونيو 1999 وكانت تحت عنوان (رسالة مفتوحة من مواطن إلى أمير البحرين .. الديمقراطية طريقك لا التمسك بإرث الماضي) وكانت الرسالة هي عبارة عن مخاطبة صادقة للحكم بالعمل على أحداث التغيير الحقيقي والجوهري على السياسات الخاطئة المعمول بها في البلاد، واستخلاص العبر والدروس المستفادة من نهج الماضي القمعي. وهنا أبرز ما جاء في هذه الرسالة:

سمو الأمير

أنه من الواضح أنكم عايشتم جميع الاحداث التي شهدتها البحرين منذ انقلاب الحكم على الدستور وحل المجلس الوطني المنتخب وفرض إجراءات الطوارىء لمنع مختلف وسائل الحريات العامة ومرور البلاد بسنوات معتمة من القمع المطلق، وقد لايخفى عليكم شيء من معاناة شعب البحرين نتيجة لكل هذه الاجراءات.

وبرغم أن المواطن البحريني، لم يشعر حتى اللحظة الراهنة بأية تحسينات ملموسة طرأت على الوضع العام، ولم يتوقف الشعور بأن جهاز الامن البحريني مازال يبعث في نفوسهم الخوف والقلق من حصول الاسوأ، حيث مازالت حملات القمع والاعتقال التعسفي مستمرة من دون هواذة، وفقط في أيام عاشوراء وحدها قامت قوات الامن باعتقال الكثير من المواطنين (15 مواطنا من إحدى القرى الشيعية) وساقتهم إلى السجون والمعتقلات، ومارست ضدهم مختلف أساليب التعذيب، مع علمنا بأن هناك أعداد هائلة من المعتقلين والموقوفين على ذمة التحقيق في سجون البحرين بينهم أطفال قصر، وأنهم يتعرضون يوميا لتعذيب نفسي وجسدي شديدين، ولم تنظر السلطات لاوضاعهم برغم تزايد الاصوات المطالبة باطلاق سراحهم في الداخل والخارج، مما يؤكد على استمرار معاناتهم وحرمانهم من أبسط حقوق مواطنتهم المشروعة.

اننا ننظر ببالغ الخوف والقلق إلى الاوضاع التي مازالت تعيشها البلاد كما يمكننا أيضا النظر إلى تصريحاتكم وطموحاتكم بشأن التغيير من زاوية ما تمثله إجراءتكم المرتقبة على طريق الاصلاحات والتطور الديمقراطي بأنها يمكن أن تعيد تطبيع الاوضاع، وان تنهي ازمة الثقة بين الحكم والمجتمع، حيث فقد الناس ثقتهم بكل شيء من جراء استمرار هذه المعاناة، ومن هنا نجد أنفسنا كمواطنين مخلصين لوطننا وشعبنا، من منطلق حرصنا على أن تبقى البحرين ومجتمعها من بين الدول والمجتمعات المتقدمة والمتطورة توجهنا لسموكم بهذه الرسالة المفتوحة التي تعبر عن رغبتنا وهي بالتأكيد رغبة الجميع كما نتصور، بأن يكون لكم موقف واضح ومشرف من قضايا شعب البحرين والمهام الوطنية الاخرى المطروحة عليكم والتي نأمل أن تنال بالغ أهتمامكم من اجل المصلحة العامة العليا للوطن والشعب.

سمو الامير

لقد شهدت البحرين على مدى عقدين من الزمن أحداثا وتداعيات كثيرة على مختلف الصعد السياسية والاجتماعية والاقتصادية، لم يكن أحدا يتنبأ بها، لولا وجود أسباب معينة، تجسدت في أساليب الاستبداد والقمع وتجاهل مطلب الارادة الشعبية، وكثيرا ما كانت أساليب القهر تتعزز بفرض التدابير القمعية لمنع الحريات، حينما قام الحكم بتعطيل المواد الحيوية من الدستور وحل المجلس الوطني المنتخب بمرسوم بقرار أميري رقم (14) لعام 1975 واعلان قانون الطوارىء للاجهاض على حريات التعبير والرأي والضمير والتجمهرات والاجتماعات والمسيرات والتظاهرات السلمية، واعتقال المواطنين لفترة تصل إلى ثلاث سنوات من دون محاكمة، واستخدام القوة المفرطة ضد المراة والاطفال القاصرين، بل أن الحكم استطاع أن يطور هذه الاساليب ويبلورها في قوانين ومراسيم أميرية بهدف تضييق الخناق على الاصوات التي تعارضة، وهذه الوضعية بمجملها خرق فاضح لمواد دستور البحرين التعاقدي للعام 1973 وكذلك الاعراف والمواثيق والمعاهدات الدولية ذات الصلة بحقوق الانسان، وقد زاد من هذا الوضع تفاقم حالة الركود الاقتصادي التي استمرت منذ نهاية حقبة السبعينات مرورا بسنوات الثمانينات ووصولا بنشوب حرب الخليج الثانية وتداعياتها مما ساعد على تدهور بنية الاقتصاد الوطني حيث اتخذت منذ ذلك الوقت تدابير واسعة بشأن التقشف، بل ومحاولات فرض ضرائب جديدة على المواطنين، وقد ارتبطت كل هذه الاجراءات بتعطيل العديد من المشاريع الحكومية والاهلية وتزايدت نسبة البطالة بين المواطنين البحرينيين بحيث وصلت نسبة العاطلين عن العمل من البحرينيين وفي مختلف التخصصات إلى حوالي 30 في المائة عام (1994) مما زاد من صعوبات توفير موارد العيش لغالبية الطبقات المتوسطة والفقيرة، في حين قدرت المصادر المطلعة وجود أكثر من 12000 عامل أجنبي مقيم في البحرين (نسبة 65 في المائة من مجموع قوة العمل) في وقت يتوجب فيه خلق واعداد قوة عمل وطنية واسعة في المقام الاول.

وبذريعة المحافظة على الامن والاستقرار في البلاد،  تعززت سيطرة اجهزة الامن وقوات الجيش والحرس الوطني على معظم مصادر القرار السياسي والامني بحيث استطاعت هذه الدوائر الثلاث ان تحكم قبضتها على جميع مفاصل الدولة والمجتمع، وهو الامر الذي يشير إلى وضع العصا في الدواليب لعرقلة أي توجه محتمل نحو التغيير في المرحلة الراهنة على الاقل.

سمو الامير

على رغم كل ما كان يحدث في الماضي وما هو حادث الآن .. من انتهاكات فاضحة لحريات الرأي والحريات الدينية وغيرها، لم تحاول الحركة المطالبة بالديمقراطية الرد على تلك الممارسات بوسائل القوة والعنف، ولم ترغب في يوم من الايام أن يكون هناك تفجير للوضع تكون نتائجه كارثية، بقدر ما اختارت هذه الحركة طريق التطور السلمي لمعالجة الوضع العام، عبر المساعي الحميدة والوساطات والعرائض الشعبية، ولكن الحكم تجاهل كل هذه الوسائل وادار ظهره لها، لا بل انه أقدم على قمعها بمختلف وسائل القوة والقهر. نقول على الرغم من ذلك فلابد أنكم اليوم قد استخلصتم الكثير من العبر والدروس المستفادة من ذلك، وأنكم بالتأكيد قد ذقتم مع شعبكم مرارة الاحداث المؤلمة التي عصفت بالبلاد طوال السنوات الخمس الماضية وتحسستم آلامها ومآسيها. ولذلك نأمل أن يكون عهدكم عهد تسامح وسلام وؤئام، إذا ما أستطعتم إدراك طبيعة الظروف والاسباب التي آلت إليها الاوضاع في البلاد، وحاولتم التحرر من الارتهان لسياسات الماضي وامتيازات الماضي، وكذلك الذي يجري التذرع بها بالمحافظة على الارث العائلي والمصلحة الوطنية العليا، والمخاطر الخارجية المحتملة، وغيرها من التصورات الموهومة، والتي لم تثمر شيئا سوى الحالات الصعبة والضاغطة على حياة المواطن البحريني. ونشدد في الوقت نفسه على تصريحاتكم ومقابلاتكم الصحفية التي كررتم فيها رغبتكم واهدافكم وطموحاتكم للتغيير، والتي ربما قد أتاحت للبعض أن يخرجوا بانطباعات وتصورات وتوقعات أن البحرين بقيادتكم سوف تنهي سنوات كانت قاسية ومؤلمة، وهي في سبيلها اليوم لآن تصبح بلدا ديمقراطيا بمعنى وجود دستور وبرلمان ومنظمات مجتمع مدني وقضاء مستقل وصحافة حرة.

وبالطبع، يا سمو الامير، فأنكم اليوم مطالبون بتحمل مسؤولياتكم الوطنية، التي أقرها دستور البحرين العقدي، وصادق عليها المجلس الوطني المنتخب، وبالتالي قيادة البلاد إلى شاطىء الامان من دون ان تعترض ذلك أية إكراهات أو عوائق بسيطة لامبرر لها، وذلك أيضا من أجل تأكيد مصداقية أقوالكم وتصريحاتكم بالنسبة لقضايا التغيير، وما يريده الناس هو فقط الافعال وليس الاقوال والتصريحات.

والحق أن التفاتة ملموسة من جانبكم تجاه تلك الاوضاع يمكن أن تنهي أسباب الازمة السياسية والاجتماعية الراهنة في البلاد، ومن دون ذلك لايمكن الحديث عن الامن والاستقرار، حيث تدور الاوضاع في حلقة مفرغة، لايمكن معالجتها إلا بالحلول السليمة، والمقصود هنا التمسك بالديمقراطية وليس التمسك بإرث الماضي، وهو الطريق الوحيد لحل الازمة

ودمتم…

هذه الرسالة وغيرها رسائل عديدة، ناشد بها نشطاء سياسيين وحقوقيين في البحرين وعلى المستوى الخارجي، حاكم البحرين الجديد، حمد بن عيسى آل خليفة، من أجل السعي إلى تغيير جوهري وحقيقي، لكافة البنى المهترئة للنظام السياسي في البحرين، ولكن للاسف الشديد، لم يأخذ هذا الحاكم المتغطرس والموهوم بجلالة الكبرياء والعظمة، بكل ما جاء في مضمون هذه الرسائل من دعوات ومساعي حميدة للاصلاح، مأخذ الجد، ومضى غير آبه بتلك الاصوات، وسار على خطى أجداده الاوائل، الذين غزو أراضي البلاد، وفرضوا قبضة طاغية على كل مفاصل الدولة والمجتمع.

هاني الريس

3 تشرين الأول/أكتوبر 2021

Loading