هشام الشهابي… عاش مناضلا ومات مناضلا

رحل المناضل هشام عبدالملك الشهابي، إلى جوار ربه راضيا مرضيا، بكل ما قدم من تضحيات جسام وواجبات وطنية مشرفة، ليلحق بالتالي بقوافل الشهداء الأبرار من أبناء البحرين، الذين سقطوا دفاعا عن الديمقراطية والحرية والسيادة والاستقلال.

رحل هشام الشهابي رحلته الأبدية، بعد أن تجرع مرارة الظلم والقهر والسجن، وفي قلبه غصة وحزن على الواقع المر الذي نعيش، فهو الذي كابد سنوات النضال الطويلة وخبر كل مخاطرها وآلامها، منذ عمر الزهور، حين كان يتظاهر في شوارع مدينة المحرق مع المتظاهرين من طلاب المدارس والكادحين من الطبقة العاملة البحرينية المطالبين بالحرية والعدالة الاجتماعية وتوزيع الثروة والعيش المشترك وطرد المستعمر الأجنبي، حيث لم يستطع قبل منتهى الرحلة الأبدية في يوم الخميس (26 سبتمبر/ أيلول 2008) أن يحقق الحلم الديمقراطي الكبير الذي راوده ولايزال يراود المناضلون المخلصون من أمثاله.

لقد أفنى هشام الشهابي، عمره مناضلا مخلصا لقضايا الوطن، ومولعا بالعطاء والتضحيات وواثقا من نفسه بالسير في طريق الصعاب، الذي لا يمكن أن يقطعها كائنا من كان، إلا من نذر نفسه إلى الشهادة والتضحية والدفاع عن حقوق الفقراء والمسحوقين، من دون أن يكل ويتعب، ومن دون أن تتغير مبادئه أو تتلون أفكاره بلوثة الفئوية والطائفية، أو يرتهن إلى أحد، أو يلوث يديه بالفساد المالي الذي يسيل له لعاب الساعين إلى كسب المال غير المشروع، وإلى تسلق المناصب الوجاهية والرسمية الرفيعة من دون وجه حق، وهي ظاهرة هذا الزمن الرديء القائم على الطمع والجشع والبحث عن عطايا السلاطين.

عاصر أهم الأحداث التاريخية وأخطرها التي مرت بها البلاد منذ عدة عقود، حيث اعتنق في بداية حياته النضالية الفكر القومي التحرري، حامل لواء العروبة والساعي للتحرر من قبضة المستعمر الغاشم الأجنبي، وشارك في مختلف محطات العمل السياسية والنقابية في البحرين، فكان أحد أبرز المؤسسين لاتحاد عمال وأصحاب المهن الحرة، ومناضلا في صفوف الجبهة الشعبية في البحرين، وعضوا في اللجنة التأسيسية لاتحاد عمال البحرين، وعضوا في قيادة لجنة العريضة الشعبية التي تأسست في العام 1994، للمطالبة بعودة المواد الحيوية المعطلة من دستور البحرين العقدي للعام 1973، ونشر الديمقراطية وعودة الحياة البرلمانية العامة في البحرين.

كان واحدا من الشخصيات المرموقة والفاعلة في قيادة الحركة الدستورية التي قادت النضال الوطني في تسعينيات القرن الماضي، وعضوا مؤسسا في جمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد) وعضوا في المؤتمر الدستوري وفي كل مبادرات الحوار الوطني.

ولعله لم يختر سوى طريق واحد في حياته، وهو تفضيله النضال في أوساط الطبقات الفقيرة والمحرومة من أبناء البحرين، صادقا ومخلصا وشجاعا، وبريئا من لوثة الألقاب القيادية والمظاهر الثورية الخادعة والمزيفة، ومتحررا من ثقافة التعصب والتهميش والإقصاء، فقد صادق أبوعمر (هشام الشهابي)، جميع فئات وشرائح وطوائف المجتمع في البحرين، من دون أن يثير العداوات والأحقاد مع أحد.

كنت أسمع بصولات وجولات هشام الشهابي، في ميدان السياسة والدفاع عن الديمقراطية والحريات في البحرين، خلال سنوات النضال في المنافي القسرية مع غيري من المناضلين البحرينيين المبعدين قسرا في مختلف العواصم العربية والعالمية، ولكنني تعرفت عليه عن قرب ولأول مرة، بعد عودتي إلى البحرين في العام 2001، بعد عملية الانفراج السياسي، وذلك عندما تسلمت دعوة من ناشط بحريني، لحضور اجتماع سياسي في مقر عمله بالمنامة، كان مخصصا لمناقشة آخر التطورات في الساحة السياسية البحرينية، بعد عملية الإخلال بنصوص ميثاق العمل الوطني وصدور دستور العام 2002، الذي اعتبره المشاركون في هذا الاجتماع بأنه غير عقدي وقد لا يمثل الإجماع الوطني في البلاد، وعليه فقد وقع المجتمعون على رسالة مطلبية سلمت إلى القيادة السياسية في البلاد، من أجل تفعيل نصوص الميثاق وإصدار دستور تعاقدي وإجراء حوار وطني مسئول يزيل شوائب الاختلاف بين السلطة والمعارضة، حرصا على تكريس وتعزيز الوحدة الوطنية. ولكن أي رد على هذه الرسالة لم يحصل حتى الآن، ثم التقيت هشام الشهابي مرة ثانية عند زيارتي الخاطفة إلى البحرين في ديسمبر/ كانون الأول 2006، حين ذهبت برفقته في سيارته، مع عدد من الزملاء، إلى قرية بني جمرة في الليلة التي لقي فيها الشهيد المجاهد الشيخ عبدالأمير الجمري وجه ربه، بعد صراع طويل مع المرض، لتقديم واجب العزاء لزوجته الفاضلة (أم جميل) التي وقفت إلى جانبه طوال حياته في النضال من أجل الفقراء والمحرومين من أبناء البحرين وخلال إقامته الجبرية وعلى فراش المرض. وفي اليوم التالي ذهبنا وبصحبتنا الوجيه جاسم مراد، إلى جامع سار الكبير حيث أقيمت هناك مراسم العزاء للشيخ الجمري، بحضور الآلاف المؤلفة من المعزين من أبناء البحرين، وعلى مدى ثلاث ساعات كاملة استغرقتها الرحلة من منطقة أم الحصم إلى قرية بني جمرة، بسبب صعوبة اختراق قوافل السيارات القادمة من مختلف المدن والقرى البحرينية إلى تلك القرية.

تبادلت الحديث مع هشام الشهابي، حول جملة من القضايا المتعلقة بالشأن السياسي والحقوقي والنقابي في البحرين، فوجدت فيه حسن الاستماع والشفافية والصدق والإصرار على مواصلة دروب النضال بالقدرة والعطاء نفسيهما اللذين اشتهر بهما وهو في ريعان الشباب والفتوة، عندها أحسست بالإرث والثقل التاريخي الذي كان يحمله من أجل خدمة قضايا الشعب والوطن. وتبدى لي وكأنني كنت أعرفه منذ سنوات طويلة، بل وقد جعلني مركز اهتمامه لما كان يتمتع به من بساطة وتواضع وطيبة القلب، وهي أجمل الصفات التي يجب أن تكون الرصيد الأول والأخير في حياة كل مناضل يتطلع لخدمة وطنه وأمته. ولذلك عندما بلغني نبأ رحيله المبكر في هذا الوقت بالذات، حيث مازال الكثير من القضايا الوطنية غاية في التعقيد والصعوبة، حزنت حزنا كبيرا على خسارة واحد من أعمدة النضال الوطني في البحرين، وحزنت على واقع مؤلم كثرت فيه المصالح الفئوية والطائفية والفساد والرشوة والتسلق على أكتاف الآخرين، وعلى زمن صعب ندر فيه الرجال المخلصون الصابرون والمقاومون، فرحم الله أبا عمر، الذي عاش مناضلا ومات مناضلا، وأدخله فسيح جناته وجعله مع الشهداء الأبرار

Loading