أربع ساعات من الحوار مع المراجع الدينية وفي ضيافتهم في النجف الاشرف

في 17 مايو/ آيار 2013، زار وفد يمثل قوى المعارضة البحرينية التي شاركت في مؤتمر بغداد الملغي، ثلاث مراجع دينية كبيرة في مدينة النجف الاشرف في العراق، الذي قد شاهدهم الوفد يعيشون ببساطة شديدة في المسكن والملبس والمأكل والتصرف وغيرها من مظاهر حياة التقشف الاجتماعي، على عكس ما كان يتصوره البعض من أنهم يعيشون في أبراج عالية وفي بحبوحة من النعيم الاقتصادي والمالي نتيجة مواقعهم الاجتماعية والعلمية وقدسيتهم الروحية والدينية والنظام الوقفي الخيري، الذي يفترض أن تكون لهم فيه اليد الطولى على المستوى الاقتصادي.

وعلى العكس أيضا من كل ذلك “النعيم المترف” الذي ظل ولايزال يتمتع به كبار المسؤولين في الدولة العراقية الجديدة، الذين تعاقبوا على حكم بلاد الرافدين بعد الاطاحة بنظام صدام حسين الدموي في العام 2003 والذين ظلوا يعيشون حياة الاباطرة في القصور الرئاسية المنتشرة إنتشارا واسعا على مد العين والبصر في كل مدن ونواحي العراق، التي استولوا عليها عنوة وبشكل مباشر بعد الغزو وحرب التحرير الدموية، التي قادتها الولايات المتحدة الامريكية وحلفائها الغربيين، وبالخصوص تلك القصور الزاهية الفاتنة المطلة على نهر دجلة والواقعة بين تلك الاحياء السكنية الراقية في العاصمة العراقية بغداد، والمعروفة حاليا بإسم (المنطقة الخضراء) المحصنة والمحمية من قبل القوات المسلحة الاميركية.

وهذا ما قد شاهدناه بأم أعيننا من خلال زيارتنا لهم في بيوتهم المتواضعة جدا وذات الطراز القديم التقليدي وهم (آية الله العظمى محمد سعيد الحكيم، وآية الله العظمى، إسحاق الفياض وآية الله العظمى بشير النجفي) كل واحد منهم على حدة، وذلك من أجل توضيح الصورة لهم لجميع المآسي البشعة التي تواجه شعب البحرين وقضيته العادلة، والوقوف عند رؤيتهم ونصائحهم وشرعيتهم وفتاويهم الدينية، في فترة إمتدت قرابة أربع ساعات من الزمن.

وتحدثنا لهم عن جميع تلك المآسي، وشرحنا لهم أن النظام الحاكم حاليا في البحرين، استولى على الارض والكيان السياسي بقوة الحديد والنار بعد غزوة همجية مضى على واقعتها أكثر من 230 سنة من الزمن، ولا زالت تداعياتها تحث الخطى حتى هذه اللحظة، وقال البعض لهم اننا نرغب في استرداد كامل حقوقنا وحقوق شعبنا بالقوة عندما يتطلب الأمر ذلك، وأن “ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير بالقوة” وقد تحدثوا الينا عن ضرورة نظرتنا للامور الخطيرة بأخد الحيطة والحذر والتأني لما يمكن أن يؤدي إلى عواقب وخيمة لحاضر ومستقبل الاوضاع في البحرين في ظل الظروف الحالية ويمكن أيضا اللاحقة، وقالوا أن “الحكمة والتعقل” هي خير دواء للعلاج الشافي، وطلبوا منا التوقف عن رفع شعار اسقاط النظام بالقوة.

وفي هذا الشأن ادلى إثنان منهما (آية الله العظمى محمد سعيد الحكيم، وآية الله العظمى إسحاق الفياض) بآراء ونصائح وفتاوى كثيرة لم يعد يتسع لها صدر اشخاص كثيرين في فد المعارضة، الذين طرحوا مسائل التغيير الجذري وانتزاع الحقوق المسلوبة بكافة الوسائل الممكنة بما في ذلك القيام بالثورة المسلحة ضد الطغمة الخليفية الحاكمة في البحرين، كأساليب مقاومة مشروعة للشعوب الضعيفة والمسلوبة اراداتها عن طريق القوة، وكان وفد المعارضة يأمل بأن يكون هناك تجاوب ملموس ويتوج بإصدار (فتوى دينية) من المرجعيات الثلاث لضرورة معالجة الاوضاع الصعبة والمعقدة والطارئة التي شغلت عموم البلاد بعد حراك الرابع عشر من شباط/ فبراير 2011 والذي بدوره قد تسبب في شرخ المجتمع البحريني وتمزيق جبهته الداخلية، وتبرر خيار المواجهة الرادعة والصارمة مع السلطة البحرينية من أجل إنتزاع جميع الحقوق المسلوبة، إذا ما تعسرت كافة الحلول التوافقية السلمية، التي تقود إلى التغيير الحقيقي المطلوب، وأصرت السلطة البحرينية على مواقفها المتشددة ضد الارادة الشعبية ومارست وسائل القهر والعسف العام تجاه نضال الحركة المطلبية، وتحميلها مسؤولية البطش والقتل والتنكيل بالمواطنين.

فكانت ردود أفعال المرجعيتين الواعية والمتأنية جدا (آية الله العظمي السيد محمد سعيد الحكيم، وآية الله العظمى اسحاق الفياض) مخيبة لامال وتطلعات الوجوه ذات التوجه المتشدد من أعضاء الوفد، التي فوجئت بالمنطق الحكيم والعقلاني والذي يعرف بحق وحقيقة عن أدق التفاصيل حول مستوى تطورات القضية البحرينية، وذلك عندما إجتمعت آرائهم على القول بأن البحرين تعيش في حالة فريدة من نوعها وربما لم يسبق لها مثيل على المستويات السياسية والاجتماعية والامنية في البلاد والمنطقة، وأن المعارضة بجميع أطيافها وتياراتها الاسلامية والقومية واليسارية، مهما ظهرت بمظهر القوى القادرة على مواجهة التحديات الامنية والحملات السياسية والاعلامية للسلطة البحرينية، فأنها ليست مؤهلة في هذه المرحلة شديدة الحساسية من النضال الوطني، أن تواجه خصما عنيدا مدججا بالسلاح وادوات الردع والبطش المطلق، أو أن تكبح جميع أعدائها والمناهضين لمشاريعها الوطنية، وأن تفرض شروطها وخياراتها الصعبة على السلطة الحاكمة في البحرين، أو أن تسحب من تحت أقدامها البساط، بعد أن أصبح كل هؤلاء بحكم السياسات الاقليمية والعربية والدولية المنحازة إلى طرف دون أخر في مسار الازمة البحرينية، كأمر واقع يجري تطبيق مفاعيله في البحرين.

ولكن أكثر ما يمكن للمعارضة أن تفعله في هذه المرحلة الحرجة والمعقدة، التي نشأت وترعرعت خلالها جميع المشكلات والازمات المرتبطة بسياسات الحكم ومن يقفون إلى جانبه، وافرزت عنها تداعيات خطيرة على مستوى البلاد برمتها، تجلت بممارسة القمع السياسي والاضطهاد الطائفي والعقائدي، وفرض القبضة الامنية الصارمة واستخدام القوة المفرطة ضد الاصوات المطالبة بالعدالة الاجتماعية والحرية وتقطيع أوصال الرابطة الوطنية بين المواطنين، هو الاعتماد على النفس وعدم الحاجة الملحة لاية تدخلات خارجية وبأية صفة من صفات الحماية والدفاع عن مخططاتها ومشاريعها المطروحة، والابتعاد عن الممارسات التي تتيح الاستنزاف الشعبي والتحرك الحثيث للبحث عن مخارج جديدة لتطوير اساليب العمل الوطني السلمي، وايجاد فرص واقعية للتفاهمات والتسويات الايجابية الممكنة مع السلطة، والتي قد تقود نحو معالجة الازمة الراهنة بالوسائل التكتيكية والسلمية، وصولا إلى تحقيق الهدف المركزي الذي تتطلع اليه المعارضة وشعب البحرين بغالبيته الساحقة، وهو إقامة الدولة المدنية الدستورية والحكومة الشعبية المنتخبة إنتخابا حرا مباشرا بواسطة صناديق الاقتراع.

وهذا يعني أن الدعوة إلى التغيير الحقيقي والجوهري، يتطلب عملية دمج أفضل لقوى المعارضة ترتكز على تطوير طاقاتها وقدراتها على الامور الضرورية الملحة، وصياغة رؤى استراتيجية مشتركة للمهمات والتحولات الجديدة، وتقترن بتغليب مسائل الاعتدال والحكمة والتعقل وعدم الاضرار بسيادة البلاد ووحدتها الوطنية والمجتمعية، بدلا من الاحتراب والاحتكام إلى مسائل القوة والعنف والصراعات الدامية المرفوضة، التي لاتحرز سوى إستمرار التداعيات والنتائج السلبية، وتعطي الاخرين الحجج والذرائع وردود الافعال المعاكسة، من أجل تصعيد الاوضاع وتضليل الناس والمجتمع الدولي بقضايا الارهاب في مسيرة حركة مطلبية سلمية مشروعة، مستفيدين من إختلاط الاوراق على الصعيدين الاجتماعي والامني، فالمعارضة البحرينية التي بلغت من العمر عقود طويلة لا تمتلك أية قوة عسكرية ولا حتى مشروع وطني متكامل متفق عليه بين جميع أطرافها، ولا تمتلك أي دعم دولي واسع النطاق لمشروعها الوطني، حيث انه للاسف جاءت هذه الخطوة في وقت تتعثر فيه جميع التسويات السياسية والدبلوماسية والامنية في المنطقة برمتها، ولهذا ولكل هذه الاسباب السالفة الذكر فانه يتوجب عليها التخلي عن رفع أي شعار يهدف للمقاومة العنيفة أو لاسقاط السلطة، يمكن أن تتخذه الاخيرة كمبرر محتوم لتشددها التام تجاه قوى المعارضة البحرينية .

وعلى عكس تلك الآراء التي استمعنا اليها من المرجعيتين، السيد محمد سعيد الحكيم، واسحاق الفياض، وقف آية الله العظمى الشيخ بشير النجفي، إلى جانب الداعين إلى “استئصال النظام الخليفي الحالي” وتصفية جميع موروثات غزوه للبلاد، وأشاد بجميع القوى التي استمرت تحث الخطى في نضالها من أجل استرجاع كافة الحقوق المسلوبة من الأمة المسلمة في البحرين، معتبرا بأنهم هم وحدهم من يؤكدون “قيمة النضال الحقيقي” المشروع، واستمر في حديث طويل ومتشعب وصار يدغدغ خلاله الاحاسيس والمشاعر الوطنية الملهمة لـ (تيار الصقور في وفد المعارضة” ويزودهم بالامل ويدعوهم لشحذ الهمم نحو امكانية تحقيق (الانتصار الإلهي المنشود) الذي صبر على انتظاره شعب البحرين، بحيث كانت غالبية آرائه متناسقة ومنسجمة ومتعاطفة بشكل واضح وصريح مع العديد من أفكار وتوجهات وطروحات صقور المعارضة، التي كانت قد شددت على ضرورة أن تتعامل المعارضة مع عنف السلطة بالمثل على قاعدة ” ما كان يؤخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة” وربما كان ذلك عبر رؤية الرجل العاطفية والانسانية تجاه كل ما يظل يعاني منه شعب البحرين من مظالم وعسف وحرمان.

ولكنه ظل في مقاطع صغيرة يطرح بعض أفكار السلم كوسيلة أولية مهمة لتحقيق الاهداف والتطلعات الشعبية، ويدفع بإتجاه أن يمارس المجتمع البحريني برمته، كافة الحقوق المشروعة للدفاع عن النفس بما في ذلك استخدام القوة في حال صعبت وتعسرت جميع الحلول الموجبة لنيل المكاسب وتحقيق العدل، ومن بينها ضرورة البدء أولا بتجارب الضغوط المكثفة والشديدة وحرب العصيان المدني والمقاومة الشعبية، التي تبرر وجودها وتطبيقها جميع المعتقدات والشرائع السماوية والشرائع الدنيوية ـ بحسب تعبيره ـ عندما يفقد الشعب كل الأمل من حدوث التغيير، وهو الامر الذي أعطى تيار الصقور في وفد المعارضة شحنة معنوية كبيرة، تجاه ما قد اعتبروه من مضمون تلك الرؤية مبررا واقعا للنضال الثوري العنيف من أجل التغيير، وبدت على بعض الوجوه (معالم النصر اللاهي المأمول) وخرجوا من هذا اللقاء بنشوة معنوية عارمة لامثيل لها حينذاك.

وطلب بعضهم حينها من المسؤولين في مكتبة، بتزويدهم بشريط الفيديو الذي تحدث فيه خلال اللقاء، وأعطى فيه شبه الفتوى الدينية، وكانت تحدوهم الآمال بأن تلقى أقوال هذه المرجعية الكبيرة، تجاوبا ملفتا أو حتى ملزما لدى العديد من الناس عندما تصل أصداء رؤيته الروحانية إلى الداخل البحريني، وتبدء المعارضة بالتخطيط والتحضير للتعاطي مع تلك الرؤية العاطفية والمؤدلجة، بالعمل على تسعير حرب العصيان المدني والمقاومة الشعبية المطعمة بتجاوزات الخطوط الحمراء، التي أعطى الاشارة اليها أية الله العظمى بشير النجفي، ومنحها الصفة الشرعية الدينية كملاذ أخير للنضال الثوري من أجل التغيير الجذري المنشود لشعب البحرين، والتي وضع فيها عنصر القوة في المقام الاول على العناصر الأخرى وجعلها من أولويات التعاطي مع سياسات السلطة البحرينية، المتجبرة والمتعنتة والرافضة لصوت الأمة، كهدف وطني مشروع لتحرير العباد والبلاد من غوائل الظلم والجور غير المكبوح، الذي ظل يحث الخطى على امتداد عقود من الوقت.

الحلقات القادمة.. لقاء تشاوري لقوى المعارضة البحرينية في طهران .. وماذا قال الشيخ نعيم قاسم، وآية الله الشيخ محمد حسن أختري، عن شعار إسقاط النظام في البحرين؟

هاني الريس

11 نيسان/ أبريل 2022

Loading