سنوات ما بعد الميثاق .. حصار الديمقراطية والمجتمع (4 من 5)

اللقاء الوطني المشترك من خارج الجمعيات السياسية البحرينية، يتبنى مشروع وطني جديد للانقاذ

في مطلع العام 2002 وبعد أن إنصهرت جميع الجمعيات السياسية البحرينية، في صلب ما يسمى ب (مشروع الاصلاح) وتم تحجيم دورها التنظيمي وفرض الرقابة المحكمة على أنشطتها وتطلعاتها الحاضرة والمستقبلية، من خلال قانون الجمعيات الاهلية، الذي يقع تحت اشراف وزارة العدل والشؤون الاسلامية البحرينية، وكتعبير عن خيبة متراكمة من الممارسة السياسية الخاطئة للنظام البحريني، والتي استنزفتها عقود من الزمن والتجارب الفاشلة، تداعت عدة شخصيات وطنية واسلامية من خارج هذه الجمعيات، من أجل طرح مشروع وطني جديد وشامل، يتجاوز دور الجمعيات السياسية، التي سلمت بقرار قانون الجمعيات الاهلية، وخرجت من ساحة قوى الممانعة والتغيير الجذري.

وكان الهدف من هذا المشروع هو تبني مواقف أكثر تشددا وصلابة في وجه السلطة، وذلك من أجل تحقيق كافة الاهداف والتطلعات الوطنية الكبيرة، التي ظل يصبوا لها شعب البحرين على إمتداد عدة عقود من الزمن وقدم خلالها كواكب من الشهداء الابرار واعداد هائلة من المعتقلين والمسجونين والمبعدين والمنفيين، تحت شعار (اللقاء الوطني المشترك) من أجل الانقاذ. وبعد عدة لقاءات تشاورية استغرقت أوقات كثيرة قرر المشاركون في اللقاء عقد أول اجتماع لهم في مكتب النائب السابق في المجلس الوطني المنحل الاستاد علي قاسم ربيعة، بالعاصمة المنامة، وهم كل من (الاستاذ علي قاسم ربيعة، والاستاذ حسن علي مشيمع، والاستاذ عبدالوهاب حسين، وسعيد العسبول، والشيخ عيسى الجودر، وعبدالعزيز أبل (رئيس المؤسسة الوطنية لحقوق الانسان لاحقا) وأنا (هاني الريس) للنهوض بتلك المهمة.

وتمت من خلال أكثر من ستة اجتماعات متتالية مداولات ومناقشات شاملة وجدية استغرقت أوقات طويلة، حول ما إذا كان “مشروع الاصلاح” الذي بدأ بالانقلاب على نصوص ميثاق العمل الوطني ودستور البحرين التعاقدي للعام 1973 قد أصبح واقع لا مفر منه، أم أنه قد يحتاج إلى مراجعة شاملة تخفف الكثير من الاضرار السياسية والاجتماعية والاقتصادية والامنية، التي شابت العديد من جوانبه ومفاصله، أو أن تتصدى قوى التغيير في البلاد بحزم وادراك، إلى جميع المخاطر المترتبة على السياسة الجديدة التي أخدت بكاملها تصب في خدمة الحكم، وتتجاهل دور الارادة الشعبية.

ورأى المشاركون في اللقاء بأن مشروع سياسي إصلاحي جديد قد صمم لكي يزيل أسباب الصراع الطويل الممتد عبر عقود من الزمن بين الحكم والمجتمع، ويعزز تماسك الجبهة الداخلية، أصبح العائق الأساسي أمام التعددية الحزبية، وأمام الوحدة الوطنية، التي هي في أمس الحاجة إلى التضامن وإعادة الانسجام بعد الشرخ الكبير، التي تسببت به أحداث انتفاضة الحركة الدستورية في تسعينيات القرن الماضي، من حيث قد أصبح فوق الارادة الشعبية ويظهر اهتماما متزايدا في التفرد بصنع القرار.

وقد وضعت كل هذه المسائل في موضع التركيز الحاد عليها، وأتفق أعضاء اللقاء الوطني المشترك، على تقديم قائمة طويلة من المطالب والملاحظات والنصائح الودية، إلى حاكم البحرين حمد بن عيسى آل خليفة، من أجل تأكيد الثقة المتبادلة بين الحكم والمجتمع ومنع أي تفجير للاوضاع محتمل في المستقبل، وذلك عبر كتابة رسالة خطية موقعة من جميع أعضاء اللقاء الوطني المشترك، وتم الاتفاق على أن يتم تسليم نص هذه الرسالة باليد، وليس بواسطة البريد العادي أو المضمون، إلى ديوان القصر في الرفاع، وقد تم الاتفاق بين الاعضاء السبعة المشاركون في اللقاء، على أختيار وفد مكون من ثلاثة أشخاص هم (سعيد العسبول، وعبدالعزيز أبل، والشيخ عيسى الجودر)، لتسليم تلك الرسالة وانتظار الحصول على الرد.

وبعد محاولات متكررة نحو الذهاب إلى ديوان القصر، وبعد مضايقات شديدة من قبل حراس القصر، أستطاع أعضاء الوفد، تسليم نص الرسالة، إلى كبار المسؤولين في الديوان مباشرة بواسطة اليد، والذين هم بدورهم قد تعهدوا بتسليمها إلى حاكم البلاد، حمد بن عيسى آل خليفة، في أسرع وقت ممكن، ومن ثم الرد عليها في غضون أسبوع، ولكن شيء من هذا لم يحدث، وظلت هذه الرسالة وجميع محتوياتها ومضامينها المطلبية مهملة في ادراج القصر ولم يتم التجاوب معها بأي طريقة من الطرق الديمقراطية.

وبعد فترة قصيرة من الوقت، سافرت إلى الدنمارك، وانقطعت عني جميع الاخبار المتعلقة باجتماعات اللقاء الوطني المشترك، الذي ربما هو أيضا قد توقف عن النشاط ولاسباب لم أعرف بها على الاطلاق. وبالفعل وكما كان متوقعا لمصير البلاد في المستقبل، تفجرت الاوضاع في البحرين بعد تأكيد انقلاب حاكم البلاد حمد بن عيسى آل خليفة، على كافة العهود والمواثيق، التي قطعها على نفسه وأمام المجتمع بأن جميع تعهداته سيتم العمل بها على أرض الواقع، واستعادت الاجهزة الامنية البحرينية، مختلف الاساليب التسلطيه وسفك الدماء للحفاظ على السلطة والحكم، والدليل على ذلك هو ما حدث في العام 2007 حيث اقدمت السلطة البحرينية على قمع المسيرة الاحتجاجية الكبرى التي خرجت للاحتفال لمناسبة عيد الشهداء في البحرين، وذلك تحت ذريعة سرقة أحد المشاركين في الاحتفال (سلاح واحراق سيارة شرطة) بالقرب من ساحة التجمهر في ساحل السيف.

وسقط خلال ممارسة القمع بتلك المسيرة، الشهيد السعيد علي جاسم مكي، وتكرر الامر في نفس الفترة عندما زعمت السلطة البحرينية بانها اكتشفت ( مؤامرة ) تستهدف الاطاحة بالحكم عن طريق القوة، وذلك من خلال ماقيل انها ( عصابة بحرينية ) كانت قد تلقت تدريبات عسكرية في إحدى مزارع منطقة “الحجيرة” القريبة من مرقد السيدة زينب “ع ” في ريف دمشق بالديار السورية، وشنت خلالها مخابرات النظام حملات اعتقال ممنهجة وواسعة النطاق في صفوف المواطنين الآمنين، وقدمت عدة قيادات اسلامية من بينها الاستاذ حسن مشيمع الامين العام لحركة حق، وسماحة الشيخ محمد حبيب المقداد، لمحاكمات صورية على خلفية (مؤامرة الحجيرة ) وكانت كل هذه الخطوات غير القانونية وغير الدستورية، هي الغالبة على كل إمكانيات ازدهار الديمقراطية، وواحة حقوق الانسان في البحرين، التي بشر بها ما سمي ب (مشروع الإصلاح) ودليل قاطع على استمرار الحكم في ممارسة اللعبة السياسية الخاطئة والنهج القمعي الشديد ضد الارادة الشعبية وفرض السيطرة والهيمنة الفئوية الواحدة على ادوات صنع القرار السياسي وضرب كل ما جاء في ميثاق العمل الوطني من وعود كثيرة في إيجاد حلول دائمة للمشاكل الداخلية بعرض الحائط .

الحلقة القادمة والاخيرة … مؤتمر للمعارضة البحرينية في لندن بعد انقلاب الحكم على دستور البلاد الشرعي لعام 1973 والمواد الحيوية من ميثاق العمل الوطني .

هاني الريس

12 أيلول/سبتمبر 2021

Loading