وداعاً علي قمبر

في يوم الإثنين 25 تشرين الأول/ أكتوبر 2021، وقبل أن يرى الحلم الديمقراطي الذي ناضل وسجن وتعذب من أجله قد تحقق على أرض الواقع في البحرين، رحل عنا الصديق الوفي والمخلص والمناضل الوطني، الشاب علي قمبر (أبو محمد) الذي توقف قلبه عن الخفقان وهو الذي ظل متسعا لجميع الناس، بعد معاناة شديدة وطويلة مع مرض العضال الذي تعرض له وهو قابع في غياهب سجون النظام البحريني، التي لم يتوفر فيها أي شيء من العناية الصحية للسجناء، سوى الاضطهاد والحرمان وسلب حقوق كل سجين ومعتقل.

من لا يعرف الفقيد الشهيد السعيد علي أحمد حسن قمبر، فهو أخ الشهيد السعيد عيسى قمبر، الذي ناضل هو الآخر في زمن الانتفاضة الدستورية في تسعينيات القرن الماضي، واستشهد تحت وطأة حكم ظالم بالاعدام بالرصاص، أقرته محكمة الاستئناف العليا البحرينية سيئة الصيت في 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 1995 علي خلفية اتهام باطل نسب له بقتل الشرطي في جهاز الأمن البحريني ابراهيم السعيدي، الذي كان يقمع المتظاهرين السلميين في منطقة النويدرات، خلال الاضطرابات السياسية التي شهدتها البلاد في تلك الفترة للمطالبة بعودة الدستور والحياة النيابية العامة المعطلة على امتداد قرابة عقدين ونيف من الوقت .لقد ناضل الفقيد الشهيد علي قمبر، في سبيل القضية الوطنية بروح الشجاعة والاقدام، وتعرض خلال سنوات تلك المرحلة إلى العديد من المطاردات والملاحقات من قبل عناصر الأجهزة الامنية التي أرادت له الشر ولكنه نجا من بعضها وخسر البعض الآخر الذي سيق فيه عنوة إلى الاعتقال والتحقيق والترهيب والتعذيب.

سنوات طويلة من العذاب النفسي والجسدي تحملها الفقيد الشهيد السعيد بـ ” صبر أيوب ” في غياهب سجون النظام البحريني وكان آخرها السنوات الأربع القاسية والمؤلمة التي تم فيها سجنه خلال فترة الحراك الشعبي في العام 2011 وتدهورت فيها جميع أحواله الصحية واستعصى عليه العلاج بسبب الاهمال الصحي المقصود داخل السجن .

استمر الشهيد، على امتداد تلك السنوات الشديدة والصعبة متمسكا بمواقفه والمبادىء النضالية الثورية التي آمن بها، وصمد صمود الأبطال لمرض العضال الذي أرهق جسده، بقوة إيمانه وصيره وشجاعته .

كان الشهيد السعيد (أبو محمد) أخا وصديقا وفيا لجميع معارفه أو من يتعرف عليهم، مخالطا للجميع ومؤنسا للجميع وخادما للجميع، وكان يجالسهم في مجالسهم ويستقبلهم في داره، ويتناقش معهم في مختلف امور الدنيا والدين والقيم والمبادىء، وكان هاتفه المحمول لا يهدا ولا يتوقف لحظة واحدة، كان يتصل بالجميع ويسأل عن صحتهم وأخبارهم ويزودهم بكل ما يصل له من أخبار من داخل أو خارج الوطن، وحريصا على زياراتهم وملاقاتهم.

تعرفت عليه في لندن قبل قرابة ثلاثة أعوام عندما كان يخضع للعلاج هناك، وذلك في مساء يوم بارد كالزمهرير، قبالة باب مبنى مؤسسة دار الحكمة في لندن التي كان يقطن فيها، عرفني ولم أعرفه عندما تقدم لي وبادرني بالتحية وعانقني وعلى شفتيه ابتسامة سمحة، وقال لي حينها ” نحن نعتز ونفتخر بنضالاتكم وتضحياتكم في سبيل الوطن والقضية .. وأضاف أنا فخورا جدا بقائدكم المناضل الشجاع عبدالرحمن النعيمي” شكرته على ذلك وعانقته بحرارة، ثم التفت لي وأخذني معه إلى غرفة سكنه في مبني الدار وقدم لي شيء من الطعام وبعض العصائر، وشرع معي في نقاش مفتوح حول سنوات قضايا النضال الوطني والقضايا العامة ، ومنذ ذلك الوقت ضلت تربطني به صداقة أخوية حميمية سوف أفتقدها اليوم وغدا بعد رحيله إلى جوار ربه راضيا مرضيا.

كان بحق وحقيقة مثالا رائعا للاخوة الانسانية والاخلاق الفاضلة وحسن المعشر المنبثق من محبته ومن تقديره وإحترامه للآخرين، كان يستلطف الآخرين ويواسيهم ويحاول التخفيف عن همومهم إذا ما كانت لديهم بعض الهموم.
لقد رحل الشهيد السعيد “أبو محمد” عن الجميع وترك فراغا هائلا لدينا ولديهم كما لدى جميع أفراد عائلته المناضلين المحترمين .

رحمك الله يا “أبا محمد” وأسكن روحك الطاهرة رياض الجنة وحشرك مع الشهداء الخالدين الأبرار .

هاني الريس
26 تشرين الأول/ أكتوبر 2021

Loading