
النجوم تلمع: إبراهيم شريف السيد
“للحرية ثمن” .. كيف دافع ابراهيم شريف السيد عن نفسه وتنظيم (وعد) امام المحكمة الصورية البحرينية في 2012 وكيف دافع عن قضية فلسطين؟
قلة قليلة جدا من المناضلين في عالم السياسة أو ميدان حقوق الانسان، يبقون صامدين في وجه العواصف العاتية والتحديات الكبيرة، ويصرون على مواصلة طريق النضال مهما كانت قاسية وعسيرة، وحتى بعد أن يجبرهم الجلاد على السكوت ويهددهم بالويل والثبور وعظائم الامور إذا ما تجرؤوا على فضح كل ما تعرضوا له خلال مراحل التحقيق او في داخل السجون، أو حتى قول كلمة واحدة متعلقة بالسياسة بعد أن يطلق سراحهم ويحررهم من الاغلال والقيود الثقيلة، إبراهيم شريف السيد، الأمين العام الآسبق لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد) الذي حكمت عليه محكمة صورية ظالمة بالحبس لمدة 4 سنوات بسبب آرائه الثورية وانتقاداته الشديدة لاخطاء السلطة وتعسفها في مواجهة المجتمع، وتعرض بعد خروجه من السجن، إلى ملاحقات أمنية واعتقالات متكررة في السنوات الأخيرة، على خلفية تغريداته النارية الثورية، التي تناقش كل ما هو متعلق بالاوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية المأزومة في البلاد، و دفاعاته بكل شجاعة واصرار عن قضية العرب و المسلمين الأولى فلسطين، و كان آخرها اعتقاله بشكل تعسفي في 12 نوفمبر 2025 بعد عودته مباشرة من حضور فعاليات المؤتمر القومي العربي في بيروت تحت مزاعم قيامه ببث “اخبار كاذبة عبر و سائل التواصل الاجتماعي وانطلاقه عبارات مسيئة لدول عربية شقيقة وقياداتها”، ودعمه لقضية فلسطين. هو من صنف هؤولاء المناضلين الاشداء، الذين لا تهزهم الرياح ولا العواصف العاتية، ويبقون صامدين في وجه التحديات الكبيرة، لا ينكسرون ولا يتراجعون للوراء، ولا يخافون من المواجهات وحملات الاعتقال التعسفي، وحتى من الدفع بهم دفعا إلى داخل السجن، لانه يعلم علم اليقين، أن للنضال ثمن وللحرية ثمن، وهو قد اختار أن يسلك طريق الاشواك بنفسه من دون أن يجبره عليه أحد، ليس من أجل النجومية والشهرة البهرجة والدعاية الشخصية، وليس من أجل الحصول على أية مكاسب دنيوية زائلة او اموال، بل من أجل خدمة وطن وشعب وقضية وطنية و قومية و اممية، ولذلك استطاع الرجل وبكل جدارة واستحقاق أن يضع اسمه في شجرة الرواد المناضلين التاريخيين الراحلين منهم والحاضرين في صفوف الحركة الوطنية البحرينية، الذين رفضوا السكوت والخنوع والاستسلام، واصروا بشدة وعناد على مواصلة الدرب رغم كل العواقب.
13 عام على الحكم القضائي الظالم ولا يزال الصمود يحث الخطى ..
على امتداد 13 عام بعد انتهاء فترة الحكم عليه لمدة 4 سنوات في السجن، وبعد تحريره من الاسر، ظل ابراهيم شريف السيد، يواصل مسيرة النضال الوطني بكل الوسائل السلمية والقانونية المشروعة، مدافعا عن قضايا الشعب والوطن، و قضية فلسطين، ورافعا شعار “حرية التعبير حق من حقوق المواطن البحريني، وستبقى كذلك، مهما تعرض أصحابها للتحديات الكبيرة” أو حملات الاعتقال التعسفي، أو الدفع بهم للسجون، وبسسب حمله لهذا الشعار والتغريدات التي ظل ينشرها بين حين وآخر لتوعية الناس بالدفاع عن حرياتهم و حقوقهم ومصالحهم و مستقبلهم، وانتقاداته الشديدة المستمرة لجميع شوائب و أخطاء السلطة القمعية، حاولت الاخيرة اسكات صوته تارة بالتهديد، وأخرى بالاعتقال المباشر ومن ثم عرضه على قاضي التحقيق لمكاشفته ومسائلته عن أقواله وأفعاله، التي تدعي السلطات على انها محاولات “تحريض وتهييج الشارع” وهي حالة مخالفة للقوانين والإجراءات الدستورية، ويبقى محتجزا هناك لعدة أيام أو أسابيع، ثم يتم إطلاق سراحه، بعد أن تتضح صورة أقواله وأفعاله المحقة، والمعترف بها في القوانين المحلية والدولية ذات الصلة بحريات الرأي والتعبير والضمير .
ابراهيم شريف السيد، الذي يرى فيه البعض صورة أصلية للقائد والرمز الوطني عبدالرحمن النعيمي، الذي قاد المسيرة النضالية العريقة للجبهة الشعبية في البحرين، ومن بعدها جمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد) بالتجارب النضالية المثمرة والتعقل والحكمة والدهاء السياسي، يمثل اليوم “النموذج الأمثل” للقادة الوطنيين، الذين بقوا صامدين في وجه التيار والمدافعين عن جميع الحقوق المشروعة للمجتمع، وفي وقت فقدت فيه الساحة النضالية البحرينية منذ عدة اعوام عدة شخصيات سياسية من اصحاب الفكر المستنير والرؤية الثاقبة للمستقبل، وكانوا يرشدون الشعب إلى الطريق السليم من أجل خدمة القضية الوطنية وشعب البحرين، من أمثال الشيخ عبدالامير الجمري، وعبدالرحمن النعيمي، وأحمد ابراهيم الذوادي، وعلي دويغر، واحمد الشملان، وهشام الشهابي، و رسول الجشي، والشيخ عيسى الجودر، وجاسم مراد، كما فقدت آخرين من النقابيين البارزين الذين كانوا يدافعون عن حقوق العمال والناس البسطاء والمسحوقين، وترك جميع هؤولاء المناضلين الاشداء أجيال يتيمة في وقت يواجه فيه المجتمع البحريني تحديات كبيرة وعسيرة، وغياب الوجوه الجديدة الشابة المؤثرة في الساحة، والقادرة على تحمل المسؤولية الوطنية في صفوف الحركة الوطنية البحرينية، مازال يشق طريق النضال من دون تعب أو تراجع أو خوف، في نفس الوقت الذي توارت فيه عن الانظار اعداد كبيرة من الاشخاص الذين قدموا أنفسهم كمناضلين سياسيين وحقوقيين في زمن المناخات الباردة والهدنة الامنية المزعومة، التي ظلت سائدة في حقبة سنوات ما سمي بمشروع الأصلاح و اكذوبة ميثاق العمل الوطني، حتى فترة القضاء على الحراك الشعبي في العام 2011، وكان من بينهم “قادة وأمناء عامين” سابقين وحاليين في الجمعيات السياسية البحرينية، لم يتجرأ أحدا منهم في الظهور إلى الواجهة و ينطق بكلمة واحدة أو حتى نشر تغريدة واحدة متعلقة بالشأن السياسي والامني المأزوم في البلاد، وكذلك الانتهاكات الصارخة في مجالات حقوق الانسان، أما بسبب ضعفهم و عجزهم عن تحمل المسؤولية الوطنية، أو بسبب الخوف من بطش السلطة و تعسفها.
وعلى الرغم من ان قيادة ابراهيم شريف السيد لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد) لم تكتمل بسبب الاعتقال والسجن، إلا أن فترة قيادته للجمعية، شهدت سمعة طيبة لجمعية العمل الوطني كتنظيم وطني قوي وعنيد ويصر بشدة على مواصلة الدرب من اجل مستقبل افضل للبلاد والمجتمع، و داعما قويا للحريات الديمقراطية وحقوق الانسان والقضايا القومية والاممية، ومن أبرزها قضية فلسطين و يمتلك الرجل الة عمل فاعلة وقدرات قيادية حكيمة .
في الكتاب الذي أصدرته جمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد) في 5 يونيو 2012 تحت عنوان “للحرية ثمن .. ابراهيم شريف السيد” و الذي جاء في 159 صفحة، و وثقت فيه جميع الافادات والمرافعات التي قدمها ابراهيم شريف السيد، امام محكمة الاستئناف العليا البحرينية، التي نظرت في الدعوة الامنية المقامة ضده في حراك 14 شباط/ فبراير 2011 ردد ابراهيم شريف، أكثر من مرة شعار”أن الافكار لايمكن أغتيالها أو أعتقالها، ولايمكن هزيمتها في أية محكمة من محاكم الدولة، ولا يمكن لها ان تموت، وأن المحكمة الوحيدة التي يمكن أن تحاكم فيها الافكار هي محكمة الرأي العام، والعقوبات التي تصدرها محاكم الرأي العام هي الحكم بهزيمة الفكرة ومن ثم اندثارها أو الحكم بتبرأتها ومن ثم شيوعها” وان السبب الاساس في استهدافه وجره عنوة إلى المحاكم الصورية، والحكم عليه لمدة 4 سنوات، هي مواقفه المبدئية ومواقف تنظيمه السياسي “وعد” الرافضة بشكل مطلق الانقلاب على دستور البحرين الشرعي للعام 1973 وميثاق العمل الوطني، وعدم الاعتراف بدستور المنحة للعام 2002 بسبب اصداره بارادة منفردة للحاكم “الملك” من دون مشاركة الشعب”مصدر السلطات جميعا” او استشارته، وما ترتب عليه من تقويض لصلاحيات ممثلي الشعب وتوسيع الصلاحيات التنفيذية للملك، وتم افراغ وعود ميثاق العمل الوطني”بملكية دستورية على غرار الديمقراطيات العريقة”من محتواها، وتقديم بعض المساهمات لفضح صور الفساد المختلفة من خلال كتاباته وندواته وفيديوهاته الذي بين فيها الدور المركزي لبعض افراد الاسرة والنخبة الحاكمة، ولم يتردد على الاطلاق في تسمية كبار المتورطين في قضايا الفساد، ولاسباب أخرى تتعلق بمشاركة تنظيم “وعد” في حراك 14 شباط/ فبراير 2011 استهدف شخصيا، واستهدف تنظيمه الذي قامت اجهزة الأمن الخليفية باشعال النار بمقره الرئيسي مرتين، كما استهدف منزل رئيسة لجنته المركزية الدكتورة منيرة فخرو، واعتدى عدة مرات على فرع التنظيم في مدينة المحرق، واستهدف بعض اعضائه وتم اعتقالهم التعسفي وطردوا من اعمالهم و وظائفهم خارج إطار القانون .
بعد قرابة عقد ونصف من ذلك، وحتى اللحظة الراهنة، لايزال ابراهيم شريف السيد، يحمل نفس الافكار والمبادىء والتوجهات التي تخدم القضية الوطنية والمصالح العامة لشعب البحرين و يتمسك بها، ويشارك في نقاشات المجالس الشعبية، و في الجلسات الخاصة والعامة والندوات والمؤتمرات الوطنية والقومية، ولايكاد يمر يوم واحد تقريبا من دون ان ينشر تغريدة على مواقع التواصل الاجتماعي يفضح فيها اخطاء السلطة وتعسفها وانتهاكها للقوانين، ويعالج فيها القضايا المتعلقة بالسياسة والاقتصاد، كما ظل يسعى دائما لتقديم تنظيم (وعد) على انه المدافع الصلب عن الديمقراطية والحريات في وجه تجاوزات السلطة وتعسفها وحصارها للحريات المدنية العامة، على الرغم من مضايقه و مراقبته ومحاصرته، وبالاضافة إلى كل ذلك فان للرجل مواقف انسانية واخلاقية لا تنسى تجاه البسطاء والضعفاء في المجتمع ويحاول بكل ما يستطيع ان يقدم لهم العون المادي أو المعنوي، واتذكر حقا انه قبل حوالي 16 عام من الان عندما سمع بخبر تعرض ابنتي كارينا لازمة صحية صعبة سارع في الحال، في الاتصال بي في المستشفى في كوبنهاجن للاطمئنان على صحتها، وقال لي انه مستعد لدفع تكاليف العلاج، التي بلغت قرابة 14 الف دولار، وشكرته على مبادرته الانسانية الاخوية الكريمة هذه، وقلت له ان النظام الصحي الدنماركي هو وحده من يتحمل جميع تكاليف العلاج لجميع المواطنين في الدنمارك من دون استثناء، وهذا يعني أن الرجل لايفكر في شيء سوى فعل الخير وتفهم اوضاع ومشاكل الناس الضعفاء البسطاء، الذين يحتاجون إلى التضامن والمساندة والمساعدة المعنوية او المادية .
هاني الريس
كوبنهاجن : 14 نوفمبر 2025
![]()