
8 آذار/ مارس يوم المرأة العالمي .. ماذا قدمت المرأة البحرينية في تاريخ النضال الوطني من أجل الحقوق المدنية والحريات
في العام 1910 و خلال مؤتمر النساء الاشتراكيات الدولي، الذي عقد في العاصمة الدنماركية كوبنهاجن اقترحت الناشطة النسوية الألمانية كلارا زنكين تخصيص يوم عالمي سنوي تناضل فيه النساء في جميع أنحاء العالم من أجل التمتع بحقوقهم، ومن دون اية منغصات قد تعكر مجرى حياتهم. يوم تتوحد فيه النساء في جميع البلدان لرفع مطالبهم بصوت واحد، و في العام التالي الذي اعقب المؤتمر، احتفل اكثر من مليون شخص في الدنمارك والنمسا والمانيا وسويسرا بهذا اليوم للمطالبة بحقوق النساء في التصويت والعمل وتولى المناصب العامة .
وفي العام 1977 أعترفت الأمم المتحدة رسميا باليوم العالمي للمرأة، وهو ما شكل محطة مفصلية في مسيرة النضال العالمي في حصول المرأة على العمل والتعليم وتحقيق المساواة بين الجنسين وأصبح هذا اليوم مناسبة عالمية سنوية تحتفل بها الشعوب على كوكب الأرض .
و بالتزامن مع هذه المناسبة النسوية السنوية من المفيد ان نتذكر نضالات المرأة البحرينية، التي ناضلت على امتداد عقود، ضد قوانين وإجراءات التعسف السلطوي والتمييز بين الجنسين، و الحرمان من أبسط حقوقهم الاجتماعية والسياسية المشروعة، و الكفاح المتواصل من أجل التغيير و مواكبة العصر، والتي تحولت جميعها بمرور الزمن إلى أهداف وتطلعات نضالية وطنية وقضايا انسانية شاملة تخص المجتمع البحريني برمته، الذي ظل يعاني كثيرا من قهر واستبداد السلطة البحرينية .
منذ حقبة سنوات ما قبل الخمسينات من القرن الماضي، و الى يومنا هذا، كرست المرأة البحرينية حياتها للعلم والعمل والغد المشرق والمزدهر، و الانخراط في قضايا النضال من أجل التغيير والحريات المدنية العامة، و المساواة مع الرجل في جميع الحقوق والواجبات، ولعبت أدوارا بارزة ومشهودة في مختلف مراحل النضال الوطني ضد الاستبداد و العسف المطلق، و ضد هيمنة الانتداب البريطاني وادواته المحلية المتمثلة في العائلة الخليفية الحاكمة، التي ظلت على الدوام تبسط ظلها ونفودها وهيمنتها الفئوية الواحدة على جميع مفاصل السلطة والحكم منذ نهاية القرن الثامن عشر الميلادي، بعد غزوها واحتلالها للارض والكيان السياسي، وحتى اللحظة الراهنة .
في جميع الاحتجاجات و الاعتصامات و الانتفاضات الوطنية، التي شهدتها البحرين عبر العصور، كان للمرأة البحرينية المناضلة أدوار ملحمية بارزة ومؤثرة في مواجهة الظلم والاستبداد وسلب الحقوق والتمييز اللافت بين الجنسين، والأنظمة الطبقية الابوية، وبحيث انها لم تهدء، و لم تتعب، و لم تتوقف بالمطلق عن المشاركة والحضور القوي والواضح، في جميع المسيرات والاعتصامات و التظاهرات الاحتجاجية الشعبية المطالبة بالحريات والمساواة والعدل، و كذلك في موضوعة استقلال البلاد وسيادتها الوطنية، و الوقوف في مقدمة الصفوف الأولى في التظاهرات و الاحتجاجات، لمواجهة عنف الشرطة وتعسفها ضد المتظاهرين المحتجين المطالبين بالحقوق المدنية المشروعة، و كذلك في المساهمة الفعالة في الأعمال التطوعية لحماية الأشخاص المتضررين من عنف الشرطة، وتقديم المساعدة الميدانية و الاسعافات الأولية للمصابين والجرحى في الاشتباكات بين المتظاهرين والشرطة. وقد لعبت النساء البحرينيات المتعلمات والمثقفات والأعضاء في العمل النضالي السري من تحت الارض في التنظيمات السياسية المعارضة، التي ظلت تعمل على امتداد عقود من تحت الارض بسبب قوة المراقبة الأمنية والمنع المطلق من تشكيل الاحزاب السياسية والنقابات والمنظمات، و حتى الأمهات المتعلمات و غير المتعلمات لعبن أدوار مهمة في تحريك همم الناس وتشجيعهم على الخروج إلى الشارع للتظاهر و الاحتجاج ضد كافة المظالم غير المكبوحة التي يواجهونها في حياتهم، والدفاع عن قيم المجتمع وتطلعات الاجيال لمستقبل مشرق ومزدهر في البلاد .
في انتفاضة هيئة الاتحاد الوطني في خمسينات القرن الماضي، المطالبة بالديمقراطية والحرية والاستقلال والسيادة الوطنية وطرد قوات الانتداب البريطاني من البلاد، والتي تجمعت حولها كافة اطياف وطوائف المجتمع البحريني، كانت المرأة البحرينية حاضرة هناك بقوة، وفي انتفاضة مارس الشعبية في حقبة سنوات الستينيات المطالبة بحقوق العمال البحرينيين المسرحين من شركة نفط البحرين المحدودة، و عودتهم إلى وظائفهم واعمالهم في الشركة ومنح العمال الحق في تشكيل نقاباتهم العمالية المستقلة، كانت هي أيضا مشاركة في صفوف القادة الميدانيين، و قد ابلبت بلادء حسنا في المواجهات، التي دارت رحاها بقسوة، بين العمال والطلاب وقوات الامن. و في الانتفاضة الدستورية الشعبية في حقبة سنوات التسعينيات، المطالبة بالحريات الديمقراطية وعودة الحياة البرلمانية المعطلة لفترة ظلت تزيد عن ربع قرن من الوقت، وتفعيل المواد الحيوية المعطلة من دستور البحرين الشرعي للعام 1973 وعود المبعدين والمنفيين للوطن من شروط أو قيود مفروضة و فتح آفاق واسعة النطاق للتغيير الجذري للسياسات الخاطئه والطائشة المعمول بها في البلاد على امتداد عقود، عانت المرأة البحرينية من الملاحقات الأمنية المشددة والاعتقالات وحتى السجون والقتل برصاصات الأمن في التظاهرات. و في فترة الحراك الشعبي الواسع النطاق في 14 شباط/ فبراير 2011 الذي تفجر بقوة في وجه السلطة البحرينية، بسبب استمرار سياسات القمع و البطش و الاستبداد و حرمان المواطنين من ابسط حقوقهم المشروعة و سياسة احتكار السلطة الكاملة والمطلقة للفئة الحاكمة وحدها و من دون اي منازع في عملبات صنع القرار، كانت للمرأة البحرينية جولات وصولات لاتنتهي في جميع هذه التحركات الاحتجاجية المطلبية المحقة، وشكلت إلى جانب اخوانها الرجال والشباب والفتية وحدات منسقة وقوية في قضايا النضال الوطني ومواجهة العسف العام والاستبداد، واستشهد بعضهم في التظاهرات برصاصات قوات الأمن البحرينية والبلطجية والمرتزقة الأجانب وقوات درع الجزيرة، التي امعنت في الحصار الأمني و قتل الأبرياء المسالمين الذين تظاهروا في دوار اللؤلؤة مطالبين بالتغيير وبعضم الاخر تعرض للاعتقال التعسفي والتعذيب الوحشي في مراكز الاعتقال والسجون، والمطاردات والملاحقات اليومية المستمرة، من قبل جهاز المخابرات والامن العام، وحتى النفي القسري في مختلف العواصم العربية والعالمية، وعلى الرغم من كل تلك المعاة القاسية والمضنية والمكابدات اليومية والماسي الكارثية الأمنية، التي واجهتها في طريق النضال، صمدت المرأة البحرينية، في وجه كافة المحن المتراكمة و التحديات و المصاعب القاسية والمؤلمة، التي صادفتها في حياتها و اثبتت بحق وحقيقة للعالم اجمع انها بالفعل مناضلة حقيقية ومبدئية مخلصة في نضالاتها الوطنية و ثائرة ملهمة، و شرسة في وجه جميع المظالم غير المكبوحة، و الاستبداد الواسع و الشامل الذي لا يطاق .
هاني الريس
8 اذار/ مارس 2026
![]()