
هل يستطيع حاكم البحرين الطاغية ان يستوعب دروس الماضي التعسفي و يتحلى بروح الشجاعة والجراة ؟
بعد عقود طويلة من الوقت، رفض جميع ملوك أسبانيا المتعاقبين على سدة العرش، الاعتراف بجرائم بلادهم تجاه الدول والشعوب، التي استعمروها وامعنوا في خرابها و استعباد الناس و قتل الأبرياء من سكانها الأصليين، ومصادرة ممتلكاتهم و اراضيهم، طوال الحقبة الاستعمارية التي إمتدت تحث الخطى، من اوائل القرن السادس عشر و حتى القرن الثامن عشر الميلادي، في معظم بلدان أمريكا الوسطى و اللاتينية، و لكن بعد كل هذا التاريخ الطويل من الصمت المطبق والتستر و التنكر لجميع هذه الانتهاكات البشعة، أبدى الملك الاسباني الحالي، فيليبي السادس، حرصه و قدرته على تجاوز هذه المعضلة و الاعتراف بكل صراحة و جراة عن جميع الانتهاكات التي حدثت في عهود اسلافه الملوك السابقين، و التحرر من عقدة تشددهم و تعصبهم، و اصرارهم على رفض اعترافهم بالجرائم و الانتهاكات الصارخة،التي ارتكبتها بلادهم بحق الدول و الشعوب الضعيفة، التي استعمرتها.
و تحدث الملك الاسباني فيليبي السادس، خلال زيارته قبل عدة ايام من هذا الوقت، لمتحف الآثار في العاصمة الاسبانية مدريد، و قال في اعتراف نادر ويظهر لأول مرة في العلن، أن بلاده ارتكبت “الكثير من الانتهاكات” خلال ماضيها الاستعماري، وانه ياسف لكل ما حدث في جميع تلك الأوقات، واردف بالقول، أن القوانين الاستعمارية الإسبانية السابقة كانت تهدف فقط للحماية ولكن في الواقع لم تسير الأمور كما كان مقررا في الأصل، وحدث الكثير من الانتهاكات.
و أضاف الملك الاسباني:” انه عندما ندرس أمور معينة وفقا لمعايير العصر الحديث بناء على قيمنا فانه من الواضح اننا لا نستطيع أن نشعر بالفخر، لكن يجب أن نتعلم من هذا في سياقه دون الإفراط في الوعظ الأخلاقي، ويجب أن نستخلص الدروس و العبر من خلال تحليل موضوعي و دقيق وشامل”.
موروث الغزو و الاحتلال الخليفي للبحرين
في أواخر شهر تموز/ يوليو للعام 1783، شنت عائلة آل خليفة، عدوانا غاشما على جزر البحرين، وغزتها واحتلت جميع اراضيها بواسطة القوة العسكرية، و ذلك تحت قيادة زعيم القبيلة، أحمد بن محمد آل خليفة، الملقب لديها ب” الفاتح” الذي فتح البحرين بغزوته الجاهلية، واستباحت خلالها الأرض والعرض والشرف، واغتصاب الكيان السياسي، الذي كان في ذلك الوقت في عهدة عائلة ال مذكور الحكام السابقين للبحرين، و باشرت منذ الايام الأولى لمرحلة الغزو، في ارتكاب افضع الانتهاكات ضد سكان البلاد الأصليين من الطائفتين (السنية والشيعية) ودفعت بهم نحو جحيم البؤس والعذاب الشديد، و ممارسة العمل القسري، وأشكال التعسف والقهر، و قامت بمصادرة ممتلكات الناس، و اراضي المزارعين الفقراء بفرط القوة، وذلك من أجل تحقيق هدف بعيد وحلم منشود و هو فرض الهيمنة الفئوية الواحدة على جميع مفاصل الدولة والمجتمع، و تشييد كيان (مشيخة) قبلية مستقلة للعائلة، التي كانت قد عاشت على تاريخ طويل من التهميش بين القبائل العربية التي نزحت من اراضي شبه الجزيرة العربية إلى مناطق أخرى بسبب الجفاف والجوع المدقع، و كذلك الصراعات القبلية المستمرة، على مواقع القوة و السلطة، بين زعماء وشيوخ تلك القبائل، و يكون بوسعها تخليد اسمها في التاريخ .
و منذ ذلك الوقت الذي مضى عليه مايقرب من 270 عام، و حتى اللحظة الراهنة، لم يتغير اي شيئا ملحوظ من امر هذه العائلة الغازية، حيث استمر موروث الغزو يحث الخطى على امتداد عقود، و تتوارثه أجيال العائلة طبقة بعد طبقة، وهذا (مذكور و مشار اليه، و مكرس في نصوص وبنود دستور البحرين) ولم يحدث بالمطلق ان تجرأ أحدا من حكام العائلة الخليفية الأوائل أو اللاحقين، أن يعترف بارتكابهم اي انتهاكات او جرائم فضيعة في حق السكان الأصليين في البحرين، أو سلب ارادتهم الوطنية، بل ظلوا يتفاخرون بموروث الغزو، و يتغنون به و يمجدونه في شعاراتهم وادبياتهم وكتبهم التي فرضوها فرضا في دروس المدارس البحرينية، ويهددون بها شعب البحرين، عندما يتحرك و ينتفض مطالبا بحقوقه المشروعة و حرياته المدنية، واستمرت العائلة على امتداد تلك العقود، تهين الشعب وتستغفل مشيئته و تتجاهل ارادته و كل أحلامه و امانيه و تطلعاته للمستقبل، و تظل على الدوام تختلق الذرائع والحجج الواهية والمزاعم من انها جزء لايتجزا من المجتمع، وانها حامية حمى البلاد من أي عدوان خارجي محتمل، وانها رائدة مشاريع الأصلاح والتقدم والتطور والتنمية، وانها الضامن الوحيد لجميع الحقوق المطلوبة، وذلك بدلا من اعترافها بالجرائم الكثيرة التي اقترفتها بعد غزوها للبلاد، و لم تبادر بتقديم اي اعتراف أو اعتذار للمجتمع، بل على العكس فهي ابدا لم تتراجع قيد انملة عن السير في نهجها الاستبدادي المتوارث تباعا بين الاباء والاحفاد، ولم تتورع عن قهر الشعب و اضطهاده واستعباده، و زرع الخوف والقلق في نفوسه من خلال فرض قوانين و إجراءات الأمن المشددة و الصارمة التي كرستها في جميع انظمتها المحلية، و دستورها الجديد الذي اختارته بنفسها من دون اية استشارة شعبية، و فرضته فرضا على المجتمع.
و باوهام ” شرعية الفتح المجيد” المزعوم للبحرين، الذي اعلنه “بطل الغزو” زعيم القبيلة، أحمد بن محمد آل خليفة، في بداية عهده الاستعماري، ظل حكام العائلة المتعاقبين، يفرضون ظلهم الصارم و المستبد على جميع مفاصل القرار في نطاق الدولة و المجتمع، و يتصرفون بالأرض و الانسان و الكيان السياسي و الامن العام و الثروة الوطنية و التجارة و الاقتصاد وحتى الوسائل الاعلامية، كاملاك خاصة بهم، و يكيفونها ويجيرونها كيفما يشاؤون و يرغبون، و من دون رادع .
والسؤال المطروح الآن من بعد كل هذه السردية الطويلة أعلاه، هو هل يستطيع حاكم البحرين الطاغية حمد بن عيسى ال خليفة، الذي ورث الحكم عن اسلافه السابقين من العائلة، و حقق حلمهم ليس بتشييد “مشيخة” قبلية بل “مملكة” ذات سيادة و معترف بها دوليا، ويدعي انه أصبح اليوم قائدا وحيدا لمسيرة الأصلاح والتغيير، والصفح عن ماضي النهج التعسفي، الذى مورس في البحرين خلال الحقب السابقة من عهود الاجداد، وفتح صفحة جديدة مع الشعب تقوم على مبدأ التضامن و التأخي و المشاركة المجتمعية و المصير الواحد المشترك، أن يستوعب دروس الماضي، ويتحلى بروح الشجاعة والجراة، ويستلهم رسالة الاعتراف والاعتذار التي قدمها الملك الاسباني فيليبي السادس، للدول والشعوب التي استعمرتها بلاده وانتهكت فيها كافة الحرمات، وتكون لديه الشجاعة والجراة، بأن يستوعب الدروس الصحيحة، و يتحرر من عقدة موروث الغزو، و يتقدم باعتذارا صريحا لشعب البحرين، عن ماضي الانتهاكات الصارخة و البشعة، التي مورست في عهود جميع اسلافه في حق الشعب، و خراب الوطن، ومصادرة الارض، و اغتصاب السلطة والحكم، و نشر الفتن الطائفية داخل المجتمع تحت شعار “فرق تسد” و الاستقواء بقوى اجنبية؟، وكذلك الحال ايضا بالنسبه لجميع الانتهاكات الصارخة و الفاضحة لحكام العائلة الخليفية، التي مورست في مستعمرتها في ارض الزبارة، في دولة قطر الحالية، عندما غزتها بفرط القوة العسكرية، و امعنت في قهر سكانها الأصليين ومارست السلب والنهب و العمل القسري ضدهم، و صادرت ممتلكاتهم و أراضيهم، بعد أن كرست وعززت نفودها بحكم البلاد، و امتنعت عن دفع الجزية المطلوبة منها لحكامها الشرعيين من عائلة آل المسلم، في مقابل استئجارها للارض، وتأسيس مشاريع التجارة فيها ؟، ويدرس الأمور وفقا لمعايير العصر الحديث من دون الإفراط في المواعظ الأخلاقية، التي ظل يستخدمها في مناسبة وغير مناسبة لتلميع صورته ونظامه، واستخلاص العبر من خلال التحليل الموضوعي والدقيق، الذي يؤدي إلى النجاح و التقدم و الازدهار، الذي استوعبه و اهتدى اليه في الفترة الأخيرة، نظيره الملك الاسباني فيليبي السادس، واعلنه بكل صراحة وصدق أمام العالم برمته، بدلا من الاصرار على المكابرة والتعنت ونسف الحقائق الواضحة على أرض الواقع و الظهور بمظهر الحمل الوديع، الذي لم يقترف اي ذنب لا يغتفر في حياته.
و هذا هو واقع الحال اذا اراد حاكم البحرين حمد بن عيسى ال خليفة، ان يحترمه شعبه ويقدر جهوده و يتعاون ويتشارك معه في نهضة البلاد وتقدمها، فان عليه ان يعترف بالحقيقة ويقدم الاعتذار الصريح عن ماضي النهج القمعي الذي مورس ضد شعب البحرين، من قبل اسلافه السابقين الأوائل، وكذلك أيضا عن نهجه القمعي الذي لا يزال .
هاني الريس
24 مارس 2026
![]()