
النظام الخليفي في البحرين يسعى لشق الوحدة الوطنية بتغليب طائفة على أخرى في المجتمع
استغل النظام الخليفي الحاكم في البحرين، الظروف الاستثنائية الصعبة و المعقدة و الأجواء الملتهبة والمكهربة، التي تمر بها دول المنطقة من جراء الحرب العدوانية الغاشمة، التي تشنها الولايات المتحدة الأمريكية و الكيان الصهيوني، على الجارة الخليجية ايران، وتاثيراتها العسكرية والامنية الخطيرة على البحرين و باقي دول منظومة التعاون الخليجي الخمس، التي اخذت تبرر بكل صراحة و وضوح لهذا العدوان، وتقف إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية، و إسرائيل، باستثناء سلطنة عمان، التي أعلنت منذ بدء العدوان على ايران، عن موقفا محايدا في مجرى الحرب، ولم تقطع علاقاتها الدبلوماسية مع طهران، كعادتها السابقة، التي قطعتها على نفسها في عدم التدخل في شؤون الغير، و اتباع طريق الحياد، التي دشن معالمها، سلطان عمان الراحل قابوس بن سعيد بن تيمور، من أجل السلم والاستقرار والتعاون والتضامن الاخوي لدول المنطقة و إحلال السلام الدولي، و هو ما قد شوهد سابقا بوضوح، خلال حربي الخليج الاولى والثانية، في العدوان الأمريكي الغاشم على العراق في زمن البعث وصدام حسين، حين ساند حكام دول منظومة التعاون الخليجي، الولايات المتحدة الأمريكية في حصارها الجائر و حربها الغاشمة على العراق، وقدموا لها كافة التسهيلات اللوجستية والعسكرية و الاستخباراتية، والقواعد الحربية و ضخ الاموال، وقطعوا علاقاتهم الدبلوماسية مع بغداد، بعد سحب جميع سفرائهم و دبلوماسييهم و ممثليهم المعتمدين، احتجاجا على غزو العراق لدولة الكويت الشقيقة، و وقفت سلطنة عمان على الحياد، و حافظت على جميع علاقاتها السياسية و الدبلوماسية، مع العراق، و لم تفكر بالمطلق في ان تغلق سفارتها أو تسحب سفيرها من بغداد، رغم كافة الاعتراضات و الانتقادات و الضغوط الكثيرة، التي واجهتها بشدة من قبل نظرائها في دول مجلس التعاون الخليجي الخمسة .
وفي ظل أجواء الحرب الكاسرة الضروس، التي تدور رحاها في المنطقة، والتي طالت بعض تداعياتها و شظاياها البحرين، و دولة الإمارات العربية المتحدة، انتهز النظام الخليفي الحاكم في البحرين، الفرصة السانحة التي ظل دائما يتطلع إليها، و يحلم بها منذ عدة عقود من الوقت، لكي يقوم من جديد باثارة جدوة النعرة الطائفية والمذهبية في البحرين، عبر نشر سموم الفتنة العمياء بين أبناء الطائفتين الكريمتين، السنية و الشيعية، التي إمتدت على مدار عدة عقود موحدة و متماسكة وصلبة في وجه الاطماع الداخلية و الخارجية، و التحديات الكبيرة، و الانقسامات، والفتن الطائفية و المذهبية الطائشة و المفتعلة والخبيثة، وصار ينشر في مختلف وسائل اعلامه الرسمية، وصحفه المحلية الصفراء و تجنيد المرتزقة في مواقع التواصل الاجتماعي، بذور الفتنة الجديدة، و يختلق الاكاذيب المغرضة و الشائعات الكثيرة، من أن هناك اعداء محليين، عملاء و خونة و مرتزقين يريدون النيل من أمن واستقرار البحرين، و يسعون لنشر الفوضى، و التحريض على العنف، ويعملون لمصلحة اعداء الوطن والامة، ويرسلون الصور والمعلومات المفبركة و الكاذبة إلى ايران، ويرفعون شعاراتها و يمجدون أعمالها و أفعالها و حربها الضروس على دول المنطقة، و أنه يوجد هناك في مقابل هؤولاء المواطنين المارقين و الأعداء، و المتعاملين مع العدو الغاشم إلايراني، مواطنين وطنيين صادقين و أوفياء و مخلصين للوطن، و يدافعون عن أرضه وسمائه ومياهه و سواحله بشراسة، و راح بعد كل هذا التوصيف لرجاله المقاومين الاشداء ينشر الخوف والقلق في نفوس الفريق الاخر، و يحاول أن يستعيد جميع شعاراته القديمة و العقيمة و البالية، التي تهدف في مجملها الى نزعة طائفية بغيضة، و تخويف أبناء الطائفة السنية الكريمة، من أن هناك “بعبع شيعي” مفترس، يتربص بهم، و باوضاعهم و يسعى لتغيير مستقبل البلاد من خلال ازاحة السنة من على كرسي الحكم، وإقامة نظام أو “دولة إسلامية شيعية” و تكون تابعة أو موالية للنظام الإسلامي الإيراني ، و من ثم يبدا باضطهادهم و ظلمهم و احتقارهم و تهميشهم، أو ربما القضاء عليهم بالكامل .
تحت عنوان هذه السياسة القذرة والخبيثة، صار يسعى النظام الخليفي القمعي، لتفتيت و تمزيق اواصر الوحدة الوطنية الواحدة و الموحدة، ليس فقط بين أبناء الطائفتين السنية و الشيعية، بل أيضا جميع اطياف و طوائف المجتمع البحريني، التي ظلت متضامة و متحدة و موحدة عبر التاريخ . و ان فكرة “البعبع الشيعي المفترس” الذي يريد الاستقلال بنفسه عن باقي الشركاء الآخرين في الوطن، كانت قائمة و مستمرة بقوة على امتداد عقود من تاريخ حكم عائلة ال خليفة، في البحرين، الممتد عبر مايقرب من 270 عام، عندما غزت العائلة البحرين، في العام 1783، وكان الشيعة يشكلون الغالبية الساحقة من السكان، و بيدهم شرعية الحكم، وكانوا قد رفضوا رفضا قاطعا و بمعيتهم اشقائهم من ابناء الطائفة السنية، عملية الغزو و احتلال البحرين، وتصدوا لها بكل شجاعة وصلابة، وقدموا خلال مواجهتها و التصدي لها، شهداء ابرار وضحايا كثيرة، و مشاهد مؤلمة من تدمير و خراب البنى التحتية، وليس كما كانت تعلن، و تدعي هذه العائلة، من أن جميع المواطنين من ابناء البحرين، فرحوا بقدومها و فرشوا لها الورود والرياحين و استقبلوها استقبال الفاتحين الاشاوس، وقدموا لها البيعة و الطاعة و السمع، و تسلم مفاتيح الحكم، ولكن الحقيقة التي يجب أن تقال دائما، هي ان شعب البحرين برمته من أبناء سنته و شيعته، لم يكترث و لم يعترف، و لم يقدم البيعة ابدا للغزاة، و لم يعطيهم الشرعية الوطنية بالمطلق.
و استمر الحال بشعب البحرين منذ ذلك الوقت يرفض اعطائهم هذه الشرعية، و ظلوا يقاومون سياساتها و مشاريعها و كل أهدافها و اطماعها و أحلامها الوردية في البقاء الدائم على ارضن البحرين، حتى ان جاءت الأيام السوداء المفحمة، التي اوهمت فيها هذه العائله أفكار الشعب و خدعته، و دغدغت أحلامه و مشاعره بوطن سعيد و مستقبل مشرق، عندما تفتقت في دهن حاكم البلاد الحالي حمد بن عيسى ال خليفة، في العام 2003 فكرة استغفال الشعب والاحتيال عليه، بتحويل البحرين من دولة مراقبة أمنية مشددة وصارمة، إلى “مملكة دستورية عصرية” على غرار الممالك الدستورية المتطورة و المتقدمة في العالم، و اخرج وقتها من القمقم مبادرة جهنمية و كاذبة ادعى فيها بحسن النية و العمل على فتح”صفحة جديدة” و مصالحة وطنية حقيقية مع الشعب ودعاه إلى الوقوف إلى جانبه من أجل تحقيق حلم الدولة العصرية، و نسيان الماضي القمعي، الذي تسبب بجميع الكوارث السياسية والاقتصادية والامنية السابقة، و أعلن عن تدشين نظام جديد للبلاد عبر ميثاق عمل وطني، و مشروع عصري للإصلاح، يهدف إلى جمع شمل الامة، و تحقيق المصالحة الوطنية و التسامح و يقيم العدل و الإنصاف بين الجميع، ويخلق تكافؤ الفرص، و يؤسس لبرلمان حر منتخب شعببا، و يدعوا لعدم المس بدستور البلاد الشرعي للعام 1973 المتفق عليه بين الشعب و العائلة الحاكمة كوثيقة عقدية ابدية لا تصادر، عندها صدقت نسبة كبيرة من فئات وأبناء الشعب، و بما فيهم قادة و زعماء كبار في حركات المعارضة، التي عانت كثيرا من الاضطهاد والملاحقات والمطارات و السجون والمعتقلات و النفي القسري، و رجال دين بارزين و مثقفين ملهمين، جميعهم صدقوا و باركوا تلك الكذبة الجهنمية، و التفوا من حوله، و صوتوا بشغف واصرار لمصلحة مشروع ميثاق العمل الوطني و مشروع الأصلاح، الذي اتخده حاكم البلاد كذريعة صادقة و ملهمة لحصوله و حصول عائلته الغازية على الشرعية الوطنية الشاملة والكاملة، والتي ظل يتفاخر بها أمام الجميع، و يتمسك بتلابيبها حتى الآن.
واليوم لم يسعه في هذا المجال سوى الانقلاب على جميع الأقوال و التصريحات و التعهدات والمواثبق المكتوبة و غير المكتوبة التي قطعها على نفسه و أمام الشعب، و العالم برمته، و يستخدم نفس الذرائع و الأدوات و الادوار القديمة لكي يستعيد بها أفكاره لنشر الفتن الفاحشة و الخلاف والاختلاف والتفرقة البغيضة و التعصب الاعمى، و التخوين و التمييز الشديد، بين مختلف الطوائف البحرينية .
هاني الريس
27 مارس 2026
![]()